الأربعاء , 15 أبريل , 2026
أخبار عاجلة

إلى العمق.. قراءة في تجربة النحات المصري ناثان دوس

حكيم جماعين

يُقدم لنا النحات ناثان دوس على قاعة الزمالك للفنون، تجربة تحوي جسورا مركّبة بين عوالم تبدو متباعدة ظاهريا: الطوطمية بما تحمله من دلالات بدائية وروحانية، واللقى الأثرية بوصفها شواهد مادية على الذاكرة الحضارية، ثم فن البورتريه في امتداداته بين المصري القديم والمعاصر.

 

 

ومن خلال هذا التداخل، لا يكتفي الفنان باستدعاء الماضي، بل يعيد تأويله داخل خطاب حداثي يطرح أسئلة الهوية، والتمثيل، والزمن.

فالطوطمية هنا لا تُستعاد بوصفها شكلًا زخرفيا أو استلهاما سطحيا، بل كمنظومة رمزية تقوم على علاقة الإنسان بالقوى الخفية والطبيعة والميتافيزيقا. يتحول العمل النحتي إلى ما يشبه “أيقونة” معاصرة، تتجاوز الفردي إلى الجمعي، حيث تتكثف فيه طاقات الحماية، والانتماء، والخوف، والقداسة.

ومن ثم، يصبح الجسد المنحوت ليس مجرد هيئة بشرية، بل كيانا مُحمّلًا بدلالات تتجاوز المرئي.
أما اللقى الأثرية الصغيرة والتي اجاد ناثان عملها، فهي تحضر بوصفها أثرا للزمن، لا كمرجع تاريخي.

يعيد النحات صياغة ملمسها، تشققاتها، وغيابها الجزئي، ليُنتج حالة من “الزمن المعلّق”، حيث يبدو العمل وكأنه مُنتشل من طبقات الأرض، أو من ذاكرة منسية.

هذا الاشتغال على الأثر يُضفي على العمل بعدا أنطولوجيا: ماذا يعني البقاء؟ وما الذي يتبقى من الإنسان حين يتحول إلى أثر؟

 

 

أعمال النحات المصري ناثان دوس

 

وهنا يتقاطع فن المجسم النصفي (Portrait Bust) مع هذا التشكيل المركّب. فالبورتريه في الفن المصري القديم لم يكن مجرد تسجيل ملامح، بل كان يحمل وظيفة شعائرية وميتافيزيقية( اخناتون) للفنان، حيث يُمثّل “البديل” الأبدي للإنسان. بينما في البورتريه المعاصر(بورترية زوجة الفنان)، يتجه الفن نحو تفكيك الهوية وإعادة تركيبها.

وبالفعل ينجح ناثان في خلق توتر خلاق بين الثبات الفرعوني والتحول المعاصر؛ بين الوجه بوصفه قناعا خالدا، والوجه بوصفه هوية سائلة.

ولا يمكن إغفال حضور مفهوم الخصب والإنبات بوصفه بُعدا رمزيا وفكريا متحققا في هذه التجربة. فالأشكال النحتية، بما تحمله من امتدادات عضوية وإيحاءات جسدية، تستدعي فكرة التجدّد والديمومة، حيث يتجاور الموت الكامن في الأثر مع الحياة الكامنة في الإمكان.

إن الخصب هنا لا يُقرأ بوصفه دلالة بيولوجية فحسب، بل كقوة كونية تعيد إنتاج الوجود، وتمنح الكتلة النحتية طاقة داخلية توحي بالانبثاق والاستمرار، وكأن العمل في حالة
ولادة دائمة.

 

الحداثة عند ناثان دوس 

 

تتجلى الحداثة عند ناثان في هذا المشروع ليس فقط في الشكل، بل في الرؤية. إذ يتعامل ناثان مع التراث لا بوصفه مرجعًا يُقلَّد، بل مادة تُفكَّك وتُعاد صياغتها ضمن خطاب بصري جديد. تتداخل الكتلة والفراغ، الصلابة والهشاشة، الاكتمال والنقص، في بناء بصري يعكس قلق الإنسان المعاصر وهو يواجه ماضيه.

 

 

إن العالم “السحري” الذي ينسجه ناثان دوس ليس هروبا من الواقع، بل إعادة تشكيل له عبر رموز كثيفة، تستدعي الذاكرة الجمعية وتعيد طرحها في سياق نقدي. فالأعمال لا تُقدَّم كأجوبة، بل كمساحات للتأمل، تفتح أمام المتلقي إمكانيات متعددة للفهم.

مما يمكنّا من القول إن هذه التجربة النحتية تنجح في تحويل التفاعل بين الطوطمية، والأثر، والبورتريه، والخصب بوصفه قوة مولِّدة، إلى خطاب بصري معاصر، يتجاوز الثنائية التقليدية بين الماضي والحاضر.

إنه فن يُعيد كتابة التاريخ لا بالكلمات، بل بالكتلة، والملمس، والغياب، حيث يصبح النحت فعلًا تأويليا، بقدر ما هو فعل إبداعي.

*الكاتب ناقد فني.. وفنان تشكيلي