حكيم جماعين
يحمل معرض “ناس وناس” للفنان التشكيلي عمر الفيومي على قاعة “فلك” في جاردن سيتي بالقاهرة، رؤية فنية تتجاوز حدود التشكيل البصري إلى أفق فلسفي واجتماعي أعمق.
حيث يصبح الإنسان — بوجوهه المتعددة — هو النص الأساسي الذي يشتغل عليه الفيومي. فاللوحة هنا ليست مجرد سطح لوني، بل فضاء تأملي تُطرح فيه أسئلة الهوية، والآخر، والفضول، والعلاقات الإنسانية المتشابكة.

ناس وناس.. معرض التشكيلي عمر الفيومي
منذ الوهلة الأولى، يفرض الوجه الإنساني حضوره بوصفه مركز الثقل في التجربة. غير أن هذا الوجه لا يأتي بوصفه ثابتا أو مكتملًا، بل متبدلًا، قلقا، ومفتوحا على احتمالات متناقضة: بين الخير والشر، التسامح والريبة.
هذه الازدواجية لا تعكس فقط رؤية نفسية فردية، بل تمتد إلى فهم سوسيولوجي للإنسان ككائن يعيش داخل شبكة من التفاعلات، حيث تتشكل الذات دائمًا تحت نظر الآخر.
وهنا يمكن استحضار أفكار “إرفينغ غوفمان” الذي رأى أن الحياة الاجتماعية أشبه بمسرح، وأن الأفراد يؤدون أدوارهم أمام جمهور دائم، وهو ما يتجلى بوضوح في حضور “الوجوه الفضولية” خلف الشبابيك في أعمال الفيومي.
كما إن فكرة “لا أحد يترك أحدا بحاله” التي يطرحها الفنان، ليست مجرد ملاحظة عابرة، بل هي مفتاح لقراءة العمل ضمن سياق اجتماعي أوسع.
فالفضول هنا ليس فقط فعلًا بصريا، بل هو بنية ثقافية تعكس مجتمعا يشتبك فيه الخاص والعام، ويتداخل فيه الفردي مع الجماعي.
وتكاد هذه الفكرة تقترب من تصور ميشيل فوكو حول “الفضول” كآلية سلطة، حيث يصبح الإنسان مراقِبًا ومراقَبًا في آنٍ واحد.
غير أن ما يميز تجربة الفنان هو أنه لا يغرق في القتامة أو التشاؤم، بل يوازن هذا التوتر الإنساني بحضور الزهور، التي تبدو كأنها ذاكرة حية متوارثة من مهنة الأب والأجداد.

ناس وناس.. معرض التشكيلي عمر الفيومي
الزهرة هنا ليست عنصرا زخرفيا، بل علامة رمزية على إمكانية الجمال داخل عالم مضطرب. إنها تقف كضدّ بصري وفلسفي للوجوه القلقة، وكأن الفنان يطرح سؤالًا: هل يمكن للإنسان أن يحتفظ بإنسانيته وسط هذا التشابك الاجتماعي؟
أما التأثيرات الفنية، الممتدة من وجوه الفيوم إلى تجربة استاذه حامد ندا، وصولا الى المصري القديم.
فهي لا تظهر بوصفها اقتباسا، بل كامتداد حي لذاكرة بصرية مصرية عميقة. في وجوه الفيوم، نجد تلك النظرة الثابتة التي تخترق الزمن، بينما عند الفنان تتحول هذه النظرة إلى حالة ديناميكية، تراقب وتُراقَب، تتغير ولا تستقر.

ناس وناس.. معرض التشكيلي عمر الفيومي
وفي هذا السياق، يبرز “مجتمع المقهى” كأحد أهم الفضاءات التي يستلهم منها الفنان عالمه. فالمقهى ليس مجرد مكان للجلوس، بل هو مختبر اجتماعي حي، تتقاطع فيه الحكايات، وتتشكل فيه العلاقات، وتُمارس فيه أشكال متعددة من الفضول والتفاعل.
إنه فضاء ديمقراطي بامتياز، حيث تتجاور الطبقات، وتُعاد صياغة الهوية عبر الحديث والنظر والتأمل. ويمكن القول إن المقهى، في تجربة الفنان، هو مرآة مصغّرة للمجتمع، حيث يظهر الإنسان في حالته الأكثر عفوية وصدقًا.
ومن منظور علم الاجتماع، يمكن قراءة هذا الاهتمام بالمقهى بوصفه اهتماما بـ”الفضاء العام” كما طرحه يورغن هابرماس، حيث يُنتج النقاش والتفاعل معنى جماعيًا يتجاوز الأفراد.

الفنان التشكيلي عمر الفيومي
لكن الفنان لا يقدم هذا الفضاء بشكل مثالي، بل يكشف عن توتراته: العزلة داخل الجماعة، والفضول داخل الحرية، والحضور المشروط بنظرة الآخر.
يقدم لنا الفيومي في معرضه “ناس وناس” محاولة لإعادة التفكير في الإنسان، ليس كفرد منعزل، بل ككائن اجتماعي يتشكل باستمرار عبر علاقاته، ونظرات الآخرين إليه، وذاكرته الشخصية والجماعية. وبين الوجوه والزهور، بين القلق والجمال، وبالفعل ينجح الفيومي في بناء عالم بصري يضعنا أمام سؤال جوهري: هل نحن ما نراه في أنفسنا، أم ما يراه الآخرون فينا؟
* الكاتب ناقد فني.. وفنان تشكيلي
شبكة عالم جديد الإخبارية عالم جديد..موقع ينقل المعلومة والخبر من كل مكان في العالم وينشر المعرفة والإبداع