حكيم جماعين
على قاعة ماتيس بمراكش، تتقاطع النظرات وتتهيأ الحواس لاستقبال تجربة بصرية متأنية، للفنان التشكيلي مولاي يوسف الكهفعي حيث يضع “الجلوس” في قلب اشتغاله الجمالي والفلسفي.
لا بوصفه وضعية يومية عابرة، بل كحالة وجودية وتشكيلية تُعاد قراءتها عبر وسائط لونية وبصرية متعددة، تكشف عن عمق العلاقة بين الجسد والكرسي، بين الإنسان وفضائه، وبين السكون وما ينطوي عليه من توتر خفي.

إن هذا العرض لمولاي يوسف الكهفعي لا يقدم موضوعاً جاهزاً، بل يقترح سؤالاً مفتوحاً: ماذا يعني أن يجلس الجسد؟ وكيف يمكن للفن أن يحوّل هذه اللحظة البسيطة إلى تجربة إدراكية مركبة؟
حيث يندرج هذا المشروع ضمن مقاربة معاصرة في فنون التصوير، ليتحول الجسد من موضوع للتمثيل إلى عنصر بنيوي داخل العمل الفني. الشخوص الجالسة، بتكراراتها واختلافاتها، لا تُعرض كأفراد، بل كحالات: جسد ينتظر، جسد يعمل، جسد يسهر، وآخر يذوب في صمته. الكرسي، بدوره، لا يحضر كعنصر ثانوي، بل كشريك بصري ووجودي، يدخل في علاقة تماهٍ مع الجسد، حتى يصعب أحياناً التمييز بين ما هو حي وما هو جامد. في هذا التداخل، تتولد لغة تشكيلية تُراهن على الاقتصاد في الحركة، والغنى في الدلالة.

الجلوس، في أفق فلسفة الفن وعلم الجمال، ليس مجرد وضعية عابرة من وضعيات الجسد، بل هو بنية إدراكية وتشكيلية تتقاطع فيها مفاهيم الحضور، الثقل، الزمن، والمرئي. إنه لحظة تتكثف فيها العلاقة بين الكائن وشكله، بين الذات وتموضعها في العالم، بحيث يغدو الجسد الجالس مجالاً لتجريب بصري وفكري يتجاوز وظيفته اليومية نحو أفق تأملي نقدي.
حين نُمعن النظر جمالياً، نجد أن الجسد في حالة الجلوس لا يُقدَّم كتمثيل لهيئة بشرية بقدر ما يُعاد تنظيمه ككتلة داخل فضاء. إن الانحناء، والاستناد، وتوزيع الوزن، كلها عناصر تدخل في بناء تركيبة تشكيلية تُذكّرنا بالنحت أكثر مما تُحيل إلى الحياة اليومية. الجسد هنا لا يتحرك، لكنه لا يفقد ديناميكيته؛ بل يعيد توزيعها داخلياً، في توتر صامت بين السكون والحركة المؤجلة. هذا التوتر هو ما يمنح الجلوس كثافته الجمالية: إنه استقرار ظاهري يخفي في عمقه قابلية دائمة للاهتزاز.
ضمن هذا الأفق، تتماهى شخوص مولاي يوسف مع الكرسي لا بوصفه علاقة استعمال، بل كتحقق لوحدة شكلية. الكرسي ليس مجرد أداة داعمة، بل يدخل في بنية العمل الفني كامتداد للخطوط والانحناءات. إن العلاقة بين الجسد والكرسي تصبح علاقة تركيب: تواشج بين كتلتين، بين عضوي وصلب، بين ما هو حي وما هو مُصنَّع. ليصبح لنا هذا التواشج سؤالاً جمالياً اعمق أين ينتهي الجسد وأين يبدأ الشيء؟ أم أن الفن، في هذه الحالة، يعمل على محو هذا الحد الفاصل، ليُنتج كياناً هجيناً تتداخل فيه الذات والموضوع؟

من هنا، يمكن قراءة الجلوس عند مولاي يوسف كفعل اختزال. فالفن، بطبيعته، يميل إلى تقليل الفائض والتركيز على الجوهر. في وضعية الجلوس، يتم تعليق الحركة، إيقاف الامتداد في الفضاء، وإعادة توجيه الانتباه نحو الداخل: نحو الثقل، نحو التوازن، نحو العلاقة الدقيقة بين الأعلى والأسفل. الجسد الجالس لا يستكشف العالم أفقياً، بل يغوص عمودياً في ذاته. وهذا ما يجعل من هذه الوضعية أرضية خصبة للتأمل الجمالي: إنها تتيح رؤية ما لا يُرى في الحركة، أي بنية الجسد كهيئة، كحضور صامت ومتماسك.
كما أن اللون عند مولاي يوسف ، لا يعمل كعنصر تزييني، بل كقوة بنائية تعيد تعريف الجسد الجالس. حين يتخذ الجسد لوناً أحمر، فإننا لا نكون أمام توصيف انفعالي مباشر، بل أمام تكثيف بصري يُحوّل الجسد إلى طاقة. الأحمر، بوصفه لوناً حاداً ومباشراً، يكسر وهم السكون، ويكشف عن توتر داخلي يتجاوز حدود الشكل. الجسد الجالس يبدو مستقراً، لكن اللون يعلن عن حالة احتراق كامنة، عن كثافة شعورية تجعل من الكتلة البصرية مجالاً للانفعال. في هذا المستوى، يصبح اللون بديلاً عن الحركة، ما لا يُقال بالإيماءة يُقال بالصبغة.
في المقابل، يشتغل الأخضر والأزرق على إعادة صياغة هذا التوتر ضمن أفق من الاتزان. الأخضر، بلونه الوسيط، يقترح نوعاً من المصالحة بين الجسد وفضائه، بين الكتلة والفراغ. أما الأزرق، فيفتح المجال أمام عمق تأملي، حيث يتراجع الجسد من كونه مركز الانتباه إلى كونه جزءاً من كلٍّ بصري أوسع. لكن هذا الهدوء ليس خلوّاً من الدلالة؛ إنه بناء جمالي واعٍ، يُعيد ترتيب العلاقة بين العين والموضوع، ويقترح قراءة أقل حدّة وأكثر انغماساً في الاستمرارية. هكذا، يتحول الجسد الجالس من بؤرة توتر إلى عنصر ضمن إيقاع عام.

أما في المعالجة بالأبيض والأسود، فإننا نبلغ درجة قصوى من التجريد. هنا لا يعود اللون وسيلة للتعبير، بل يُستبدل بنظام من العلاقات الضوئية: تباين، ظل، فراغ، وامتلاء. الجسد يفقد مادّيته اللونية، لكنه يكتسب وضوحاً بنيوياً. يصبح أثراً، خطاً، أو كتلة محددة بحواف حادة. هذه الصياغة تُعيد طرح سؤال جوهري فلسفي، ما الذي يجعل الشكل مرئياً؟ هل هو اللون، أم الحد، أم العلاقة بين الضوء والظل؟ في هذا “النيجاتيف” البصري، لا نرى الجسد كما هو، بل كما يُعاد بناؤه عبر شروط الرؤية ذاتها.
الجلوس، في هذا الإطار، يتحول إلى تجربة حدودية بين الظهور والاختفاء. فالجسد الجالس لا يفرض نفسه كحركة، بل كأثر مستمر، كحضور يتردد بين الامتلاء والفراغ. الكرسي، بدوره، لا يعود خلفية أو دعامة، بل يدخل في لعبة التحديد هذه: يبرز أحياناً كخطوط صارمة، ويختفي أحياناً داخل الجسد، حتى يكاد الاثنان يتلاشيان في بنية واحدة.
ليمكننا القول إن الجلوس يضعنا أمام مفارقة الوجود في الفن: كيف يمكن للحالة الأكثر سكوناً أن تكون الأكثر امتلاءً بالدلالة؟ إن تعليق الحركة لا يعني غياب الفعل، بل إعادة تعريفه. الفعل هنا يصبح إدراكاً، توتراً داخلياً، أو حتى مقاومة صامتة للثبات. الجسد الجالس لا يتحرك في الفضاء، لكنه يعيد تشكيل علاقتنا بالزمن: الزمن يبطؤ، يتمدد، يصبح محسوساً في ثقل الأطراف، في انحناء الظهر، في استمرارية الوضعية.

ومن منظور نقدي جمالي، يمكن فهم هذا الاشتغال على الجلوس كبحث في حدود التمثيل ذاته. فمولاي يوسف لا يسعى إلى تصوير “ما يفعله” الجسد، بل إلى كشف “كيف يكون” هذا الجسد حين يُجرَّد من وظيفته. إننا أمام انتقال من السرد إلى البنية، من الحكاية إلى الشكل، ومن التعبير المباشر إلى بناء تجربة بصرية تُفكك وتعيد تركيب الإدراك.
في النهاية، يغدو الجلوس أكثر من موضوع؛ إنه استراتيجية فنية وفلسفية. إنه وسيلة لتفكيك العلاقة بين الإنسان والعالم، بين الجسد والشيء، وبين اللون والشكل. وبين الأحمر الذي يفجر التوتر، والأزرق والأخضر اللذين يعيدان بناء الاتزان، والأبيض والأسود الذي يعرّي الرؤية، تتشكل تجربة جمالية ترى في أبسط وضعيات الجسد إمكانية لا نهائية للتفكير. الجسد الجالس لا ينتظر فقط؛ إنه يُنتج معنى، يُعيد تعريف حضوره، ويكشف، في صمته، عن عمق الفن بوصفه تفكيراً في المرئي وحدوده.
*الكاتب باحث جمالي وناقد وفنان تشكيلي
شبكة عالم جديد الإخبارية عالم جديد..موقع ينقل المعلومة والخبر من كل مكان في العالم وينشر المعرفة والإبداع