شريف قنديل
لا أدرِي علَى وجهِ الدقَّةِ مَا هُو الحالُ الآنَ فِي الطابقِ الثَّانِي بأتليهِ ضي.. فحينَ كنتُ هناكَ، كانَ صخبُ البحَّارةِ، وجلبةُ المزارِعِينَ، وأصواتٌ الرِّجالِ والنِّساءِ والأطفالِ، وهُم يحملُونَ متاعَهُم صوبَ النَّهرِ، يُوحِي بثمَّة رحيلٍ أو هجرةٍ مِن المَكانِ!
بلْ إنَّ أصواتَ احتكاكِ الأوانِي “المواعِينَ” ببعضِهَا وَهِي علَى رؤوسِ النِّسوةِ والبَناتِ، فضلًا عَن أصواتِ الحيواناتِ الصَّغيرةِ الرَّافضةِ للركُوبِ، أو الفرحةِ بهِ، كانتْ تشِي بأنَّ لَا شيءَ بَقِيَ في المكَانِ!
وزادَ من خطفةِ أو رجفةِ المغادرةِ، أنَّ بعضَ الفتيانِ، كانُوا يصرُّونَ علَى أخذِ مَا زرعُوهُ مِن قَصبٍ، وَمِن نَخيلٍ!
كانَ صوتُ راندا إسماعيل يرنُّ في إحدَى القَاعاتِ، وكانتْ إشاراتُها، مرَّة فِي هذَا الاتِّجاهِ نحوَ تلكَ البيوتِ، وأُخْرَى فِي اتِّجاهِ آخرَ نحوَ السوقِ، كانتْ كلُّها تؤكِّدُ أنَّ الجميعَ دخلَ في نوبةِ رحيلٍ، وبَقِيَ علَى موعدِ التحرُّكِ بضعُ دقائقَ، أو يزيدُ.. لَا أحدَ يعرفُ مكانَ الوصولِ!

إلَى أينَ يَا راندا؟! قالتْ -وقد اكتسَى شجنُ الرَّحيلِ وجهَهَا الفرعونيَّ الأصيلَ-: لَا طريقَ واضح، ولَا وصولَ مؤكَّد، لكنَّنا نمضِي والأملُ في قلوبِنَا نورٌ لا ينطفئُ! كانتْ أنوارُ القاعةِ، فضلًا عن القاعاتِ الأُخْرى، تزيدُ المشهدَ شجنًا، وأنَا أُصغِي لحواراتِ وأناشيدِ البحَّارةِ، وقَدْ انْطَلقَت، وكانتْ ترنيمةُ يَا ليلُ يَا عَينُ، يَا ليلُ تعيدُنِي لقصيدةِ شاعرِنَا الأكبرِ محمد عفيفي مطر: عَين يَا عَين يَا ليلِى يَا لَيل..أنَا الخُطَى.. وَفِى دَمِي الطريقُ.. ليلِى يا ليلِى يا عينِى يَا عَين.. أنَا الذِي يحملُ مِن مدائنِ الرعبِ مفاتحَ الكنوزِ.. فتطلعِينَ.. هوَّة مَليئَة واقفةً فِي طريقِى.. وتسقطِينَ فِي كلِّ خليةٍ مِن جسدِي.. فأبدأُ التَّخارجَ الأوَّلَ بالسُّقوطِ فِي الرموزِ! يَا عَينى يَا عَين، يَا ليل يَا ليلِي.. في نفَسِي لمْ تزلْ روائحُ الطحلبِ والشرارةِ.. وشهوةُ النَّسجِ علَى مناسجِ الأسماءِ..ِ أحملُ فِي أصابعِي الخاتمَ مِن طينتِك الموَّارةِ بالسرِّ والبكارةِ..
إنْ قلتُ يَا أشجارُ، تفجَّرتْ فِي الجسدِ البراعمُ الخُضرُ، وسقطتْ فِي فمِي الأثمارُ..
إِنْ قلتُ يَا سماءُ.. تكوَّرتْ في فلكِ العينَينِ.. كواكبُ الظلمةِ والنَّهارِ..
إِنْ قلتُ يا خليقةُ.. تجسَّدتْ فِي زهرةِ النهدَينِ والزَّغبِ المُشمسِ رجفةُ المدائنِ التِي تُولَد فِي توحُّدِ الأنسابِ والكتابةِ..
مضيتُ أتأمَّلُ مَا رسمتهُ رندا إسماعيل علَى الجدرانِ، عينِي مملوءةٌ بمشاهدِ الرَّحيلِ، ورأسِي منصهرٌ بكلماتِ مطر، حيثُ يرجفُ الحجرُ، وحيثُ الحياةُ تستعيدُ سيرةَ البَشَرِ: ثغاءُ الطيرِ والحيوانِ يعلُو.. الزَّهرُ منفتحُ لأسرابِ الفَرَاشِ، وعاسلاتِ النَّحلِ.. تبتُّ الشَّواديِفَ.. المياهُ يفضن بالبشنَينِ، والسَّمكُ الملَّونُ.. والمراكبُ مثقلاتٌ بالبواكيرِ.. قلتُ: الضُّحَى واللَّيل ينتسخَانِ وجهَك فارتكضْ..خلفَ الغزالةِ وهِي تمعنُ فِي ملاعبِهَا اليَبابِ..!
غشيتْنِي نوبةُ إعجابٍ، بلْ وفتنةٌ بالمصريِّ القديمِ، وقدرتهِ الفائقةِ على تطويعِ الطبيعةِ.. ثمَّ استفقتُ وقلتُ: مِن أيِّ البلادِ -وقدْ خلَت مِن عاشقِيهَا- جئتِ؟! مِن أيِّ المواعيدِ انفلتِّ؟ فأنتِ مطلقةُ السَّراحِ غوايةً.. للغابرِينَ الهاربِينَ من القصائدِ وانتظارِ العشقِ!
توقَّفتُ وتماسكَتُ وقلتُ لرندا بحسمٍ: إلى أينَ؟ ولماذَا الرَّحيلُ؟! وحينَ تلجلَجَت مِن فَرطِ صوتِي حينَ يعلُو ويرنُّ كمَن ينادِي فِي الحقلِ القصيِّ، جاءَنِي صوتُ مطر من جديدٍ: هذَا هُو السفَرُ المقدَّرُ.. ليسَ مِن زمنٍ لهُ أو مِن بلادٍ.. غيرَ مَا يعلُو بهِ الوجعُ العصىُّ.
رحتُ أُنصتُ لحديثِ راندا، وأنَا أتأمَّلُ فِي متاعِ مراكبِ الرَّحيلِ، فيمَا كانتْ تقولُ: سأخبرُك فِي النهايةِ! كانتْ كمَن تغوينِي بالصُّعودِ إلى مواكبِ الرَّحيلِ، وحينَ وصلتُ للوحةِ الأخيرةِ، كانتْ تهنئنِي بسلامةِ الوصولِ!
لمْ ألمحْ فِي عالمِ راندا إسماعيل، لَا لصوصَ، ولَا قرصانَ.. بلْ وجوهًا نقيَّةً وسواعدَ فتيَّةً تغادرُ لتبنِي من جديدٍ، وتعمرَ الوادِي مِن جديدٍ، وتنشرَ النورَ مِن جديدٍ.. أحملقُ فِي سقفِ القاعةِ، وأنَا استشعرُ دقَّات قلبِي المتسارعةِ، أتفحَّصُ ملامحَ الأملِ، وبشاراتِ الصعودِ فِي الاتِّجاهاتِ الأربعةِ!
أعادتنِي لوحاتُ المصوِّرةِ المعماريَّة المهندسةِ، إلى حكاياتِ الأُسرِ المصريَّةِ الريفيَّة، وإلى المراكبِ الشمسيَّة، حينَ كانَ المصريُّونَ القدماءُ يستخدمُونَها كسفنٍ جنائزيَّةٍ، في رحلاتٍ لاستعادةِ الحياةِ مِن الأماكنِ المقدَّسةِ!
شبكة عالم جديد الإخبارية عالم جديد..موقع ينقل المعلومة والخبر من كل مكان في العالم وينشر المعرفة والإبداع