الأربعاء , 15 أبريل , 2026
أخبار عاجلة

و في “الأنفال” آيات لمن يتذكر شهداء الكورد

شيركو حبيب

 

تحل اليوم الذكرى الثامنة والثلاثون لجريمة النظام العراقي السابق بحق الكورد، يوم أن نفذ عملية “الأنفال” وقضى على نحو 183 ألف برئ من أبناء الشعب المسالم، في جريمة إبادة جماعية تجاهل العالم تصنيفها، كما تجاهلت الحكومة الاتحادية تعويض عوائل ضحاياها.

نعلم جميعا أن “الأنفال” هو اسم السورة الثامنة في القرآن الكريم، ولا ينتبه كثيرون إلى أنه ذات الاسم الذي أطلقه النظام العراقي البائد على سلسلة من العمليات العسكرية ضد المدنيين العزل من النساء و الأطفال و الشيوخ من أبناء الشعب الكوردي، كان ذنبهم الوحيد وتهمتهم الوحيدة أن الله سبحانه و تعالى خلقهم كوردا بين الأمم والأقوام الأخرى.

يقول سبحانه و تعالى في كتابه المجيد “يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ”.

 

جريمة الأنفال 

 

وكلمة “الأنفال”. في اللغة تشير إلى غنائم الحرب التي يحصل عليها المسلمون من أعدائهم، وبطريقة ما غير خالية من التدليس وإعادة توظيف المسميات، اتخذ النظام العراقي البائد اسم السورة الكريمة” الأنفال” ليصبغ بها جريمته وعمليات القتل التي ارتكبها بحق الشعب الكوردي الذي اعتبره عدوا للإسلام، وهذا سر عملياته سيئة السمعة ضد شعب مسلم مؤمن بالله و رسله و كتبه.

 

الكورد ضحايا القتل والتهجير 

 

انتهت عمليات الأنفال الإجرامية التي نفذت تحت اسم سورة قرآنية مباركة إلى أنفلة نحو 183 ألف مواطن كوردي، و هدم وتهجير أكثر من أربعة آلاف قرية كوردية بالكامل، ناهيك عن إخلاء الآلاف من المدن و القصبات الكوردية من مواطنيها الأصليين وهي أرض آبائهم وأجدادهم الذين سكنوا وطنهم قبل ظهور أقوام و وشعوب أخرى في المنطقة.

لا يوجد سبب حقيقي مهم لعمليات الأنفال ضد شعب آمن مسالم مؤمن بالله سبحانه و تعالى و الكتب السماوية و العيش بسلام وأمان على أرضه، سوى أن الله سبحانه و تعالى خلق هؤلاء كوردا.

وبين ليلة وضحاها تم دفن أكثر من 183 ألف من الأطفال و النساء و الشيوخ بكوردستان و هم أحياء، في جريمة لم يسبق لها مثيل، ولم يرها أحد في الأحلام أو الأفلام.

 

أبشع الجرائم ضد الإنسانية 

 

لكن النظام العراقي البائد وعلى مسمع و مرأى من العالم المنادي بالديمقراطية والسلام و حقوق الإنسان، ارتكب أبشع جريمة في تاريخ البشرية على مدى الدهر، وسكت عنها أصحاب الأفكار الحرة، ولا أكثر من بعض كلمات عابرة تشير إلى شئ من التعاطف مع الشعب الكوردي.

مرت الجريمة النكراء دون إدانة أو إجراء قانوني دولي من قبل القوى الكبرى أو الأمم المتحدة، فلم يتخذوا أي موقف ضد الفاعل أو لصالح الضحايا ليومنا هذا، و كنا نتصور أن التعتيم الإعلامي من قبل النظام السوفيتي كان سببا في سكوت العالم، رغم المظاهرات و الاستنكارات من قبل الكوردي في الدول المختلفة، إلا أن هذه الدول لم تنطق حكوماتها بكلمة مناصرة للضحايا.

 

مفاجآت في وثائق الأرشيف الوطني البريطاني 

 

حين اطلعت على وثائق الأرشيف الوطني البريطاني أدركت أن حكومات العالم التي تدعى دفاعها عن الديمقراطية و حقوق الإنسان كانت على علم بجريمة الأنفال، وربما بعض هذه الدول زودت النظام بالأسلحة الحديثة المتنوعة من كل مصادر السلاح العالمية، ليكونوا شركاء غير مباشرين في إبادة الكورد وتنفيذ أكبر عملية تطهير عرقي في التاريخ المعاصر على يد نظام حاكم.

الآن، ورغم مرور 38 سنة على هذه الجريمة النكراء، لم تقم الحكومة الاتحادية بتعويض ذوي الضحايا، ولم تف بالتزاماتها الدستورية والقانونية تجاههم، ولم تدعم أي عملية تنمية حقيقية لمناطق تواجدهم، بل ظلت تمارس التسويف والمماطلة وسياسات لي الذراع ضد الكورد في أبسط حقوقهم وهو أجورهم الشهرية المقررة في موازنة الدولة.

 

حق عوائل الضحايا في التعويضات 

 

نشير إلى الحق في التعويضات لعوائل الضحايا لكننا نشدد على أن كل كنوز الدنيا لا تساوي قطرة دم واحدة لأي شهيد من هؤلاء، ونحذر من أن استمرار بغداد في تجاهل تلك الجريمة البشعة ضد الشعب الكوردي له تداعياته الخطيرة التي يمكن أن تقلب الموازين في أية لحظة، كما تترك أثرا داخليا عند هؤلاء يتضح في مستوى الثقة بأي نظام حاكم يحضر بعد النظام البائد ويتجاهل تعويضهم وتحسين أوضاعهم وحقهم في مواطنهم الأصلية الآمنة.

أقولها للحكومة الاتحادية على سبيل النصح والإرشاد، وكل من فيها يحتاج نصحا قبل فوات الأوان، إن العمل على تعويض ضحايا الأنفال و الكيمياوي بما يتناسب مع نتائج الجريمة البشعة التي ارتكبت ضدهم، لا يقل عن تلك المسؤولية الحالية للحكومة الاتحادية عن حماية الكورد من هجمات داخلية وخارجية حاليا في ظل حرب إقليمية لا ناقة للعراق فيها ولا جمل، ولا أعتقد أن الدستور العراقي يستبعد دور حماية أمن كوردستان من مسؤوليات حكومة بغداد.

 

الشعب الكوردي والحكومة العراقية 

 

إن نفوس الكورد مليئة بالإحساس الدائم بالظلم والقهر تجاه سيرة كل جريمة ارتكبت بحقهم، حتى باتت أيام ذكرى جرائم الأنظمة العراقية السابقة بحقهم أكثر تكرارا على مدار العام من أيام احتفالاتهم بالأعياد القومية والدينية، ورغم ذلك هم مستمرون في تقديم التضحيات والشهداء دفاعا عن العراق.

إن جريمة “الأنفال” نموذج لأقذر توظيف سياسي استبدادي للدين ضد المؤمنين بالله، وأقصى درجات الإيمان به هو احتفاظ الشعب الكوردي المظلوم داخل هذا البلد بالتسامح و التآخي، لكنه لا ينسى حقوقه ولا يرفع مظلمته لغير الله، متى احتفظ الظالمون بصفة الكبر، وطالما استخدم الساسة التجاهل وأداروا ظهورهم لأصحاب الحقوق المهدرة.