الأحد , 26 يوليو , 2026
أخبار عاجلة

بعد انشقاقات حزب الشعب الجمهوري.. تركيا إلى أين؟

أ. د  محمود زايد

 

تمر تركيا الآن بمشهد سياسي استثنائي ربما يرسم واقعًا جديدًا للمعارضة التركية، أو يستثمره أوردغان في إحكام قبضته أكثر على زمام مفاصل الدولة التي تعاني بسبب سياساته من أزمات داخلية عديدة، وترسف في أوحال خارجية تستنزف مواردها الاقتصادية ورصيدها السياسي إقليميًّا ودوليًّا.

 

 

أزمة حزب الشعب الجمهوري

 

 

 

قبل أيام تحولت الأزمة داخل حزب الشعب الجمهوري (CHP) من مجرد خلاف على القيادة إلى زلزال مؤسسي يمكن توصيفه بـ «الانقسام الكبير»، الذي ربما يعيد تشكيل المشهد السياسي برمته لتركيا.

ففي تطور وُصف بأنه الأكبر في تاريخ المعارضة التركية الحديثة، أعلن أوزغور أوزيل، رئيس حزب الشعب الجمهوري المُقال قضائياً، استقالته من الحزب الذي أسس تركيا الحديثة، واصطحب معه نحو 91 نائبًا من أصل 135 لتأسيس حزب جديد (Yeni Parti).

 

هذا التحول يجعلنا نطرح سؤالين مهمين. الأول: هل يُمثّل هذا الانشقاق نهاية حزب الشعب الجمهوري ككيان قوي للمعارضة التركية، أم أنه ولادة جديدة لها خارج عباءة حزب أتاتورك؟ والآخر: كيف سيؤثر هذا الانقسام على فرص رجل تركيا العجوز (أردوغان) في تمديد حكمه بإطار دستوري شكلي؟.

 

جذور الانقسام

 

 

تعود جذور الانقسام إلى حكم قضائي في مايو 2026م أبطل قرارات مؤتمر حزب الشعب الجمهوري لعام 2023، الذي كان قد شهد فوز أوزيل على منافسه التاريخي كمال كيليتشدار أوغلو، وأعاد الأخير إلى رئاسة الحزب.

 

وصف أنصار أوزيل هذا الحكم بأن القضاء فيه لم يكن مستقلاً، وإنما تدخلٌ أُعِدّ بليل مع السلطة الحاكمة لإجهاض الإرادة الديمقراطية للحزب، بعد أن حقق أوزيل أكبر انتصار انتخابي في تاريخ الحزب خلال انتخابات البلديات 2024م. وهو ما خلق قناعات تهكمية في الشارع التركي تحت عناوين مثل: «عندما يحسم القضاء ما يعجز عنه الصندوق».

 

وبرهن أنصار أوزيل أن هذا الانحراف لم يقتصر على تغيير القيادة فحسب، وإنما جاء ضمن حملة أوسع شملت اعتقال مئات من أعضاء الحزب، أبرزهم رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو، الذي يُنظر إليه كأكبر منافس لأردوغان، إضافة إلى تعليق أعمال 27 رئيس بلدية من الحزب حتى الآن.

وهو ما دفع أوزيل، الذي كان يصف تأسيس حزب جديد بأنه «سيناريو كارثة»، إلى اتخاذ قرار بالانفصال بعد أن أُغلقت القنوات القانونية والإدارية في وجهه.

 

 

الحزب الجديد

 

 

 

إن انضمام ٩٠ نائبًا إلى «الحزب الجديد» يخلق خريطة قوى متغيرة، ففجأة أصبح هذا الكيان ثاني أكبر كتلة في البرلمان الذي يتكون من ٦٠٠ مقعد، بعد حزب أوردغان الحاكم (٢٧٧ مقعداً)، بينما تراجع حزب الشعب الجمهوري إلى المركز الرابع بـ ٤٤ نائباً فقط.

ومعلوم أن هذا التغيير غير مقتصر على الشكل فحسب، وإنما يعيد توزيع مقاعد اللجان البرلمانية، ويُحدد هوية «المعارضة الرئيسية» التي تحظى بحقوق قانونية وسياسية مميزة، مما يُضعف مكانة حزب الشعب الجمهوري وبعده الأتاتوركي التاريخي.

 

 

أوزيل و خطوته السياسية

 

 

لكن في المنطقة الرمادية كتب كثيرون عن حصافة أوزيل السياسية، بمعنى أنه متمرس على تقدير تعدد الخيارات حتى إذا أُغلق في وجهه باب لجأ إلى آخر، وهو ما يمكن تسميته بـ «استراتيجية المسارات». أي ربما تكون مبادرته الأخيرة لا تكون طلاقا بائنًا، وإنما انسحاب مؤقت لتحقيق الهدف،

فلن يهدم أوزيل كل الجسور مع حزبه الأم؛ وهو ما يفسّر إبقاءه مجموعة من أنصاره داخل حزب الشعب الجمهوري للحفاظ على نفوذه في الهيئة البرلمانية ومجلس الحزب كـ «وثيقة تأمين سياسي» في حال نقضت محكمة النقض حكم إقالة من رئاسة الحزب بعد ذلك.

 

هذا يعني أن الكيان الجديد قد لا يكون طلاقاً نهائياً، بل «قارب نجاة» مؤقت مرتبط بسفينته الأم، في انتظار آخر مرحلة من مراحل التقاضي.

 

 

مستقبل أردوغان

 

 

بقي أن نرى كيف سيكون مستقبل أوردغان وحزبه في ظل هذه الدوامة داخل أكبر معارضة في الداخل التركي. فهل سيخدمه في إطالة سيطرته على الحكم؟

 

تكتيكيّا، يخدم هذا الانقسام أردوغان في الأمدين القصير والمتوسط ما لم يعيد حزب الشعب الجمهوري حساباته السياسية وفق مصالحه العليا، لأن الانقسام يُفتت كتلة المعارضة ويُضعف تماسكها، بالصورة التي يُقلص فرصها في أي انتخابات مبكرة قد تُجرى قبل 2028م. فبدلاً من جبهة موحدة،

سيكون هناك تنافس شرس بين الحزب القديم والجديد على قاعدة الناخبين العلمانيين والاجتماعيين، مما يُشتت الأصوات المعارضة.

 

 

انتخابات تركية مبكرة

 

 

 

وهناك ما هو أسوأ من ذلك، فربما يصبح «الحزب الجديد» ورقة رابحة في يد أردوغان نفسه لتمرير انتخابات مبكرة، وهو الشرط الدستوري الوحيد الذي يسمح له بالترشح لفترة رئاسية جديدة بعد انتهاء ولايته؛ فالحزب الجديد، بحجمه البرلماني، قد يكون جزءًا من التحالف المطلوب لتأمين ٣٦٠ صوتًا في البرلمان لتمرير قانون الانتخابات المبكرة.

 

وهنا تتولد المفارقة، بأن حزبًا وُلد نتيجة حملة قمعية قد يُصبح شريكًا في تمديد حكم من قام بتلك الحملة. ولا مفاجآت في السياسة، فربما يمتطي الكرد في تركيا حصان طرواده ويأخذوا تركيا إلى مشهد سياسي مختلف.