حكيم جماعين
افتتاح قاعة الفنان حامد ندا في جاليري ضي الزمالك
إن افتتاح جاليري يحمل اسم فنان من جيل الرواد ليس مجرد حدث في أجندة المعارض، ولا مناسبة احتفالية تستعيد اسما من الماضي لتضعه على واجهة مكان جديد. إن القيمة الحقيقية لهذه الخطوة تكمن في كونها فعلًا ثقافيا يعيد طرح سؤال الذاكرة الفنية العربية: من نتذكر؟ ولماذا نتذكره؟ ومن يملك حق تحديد الأسماء التي تشكل مرجعيتنا الجمالية؟
فحين يُستعاد الاسم ليصبح عنوانا لمكان فني معاصر، فإننا لا نستعيد شخصا فحسب، بل نستعيد زمنا وقيما ومفاهيم ورؤية للعالم، أي إننا نستعيد جزءا من الوعي الذي صنع تاريخنا البصري.
في زمن تتسارع فيه الصور والأسماء والأذواق، تصبح الذاكرة أكثر هشاشة، ويغدو النسيان أحد أخطر أشكال الخسارة الثقافية. فالفنان الذي أسهم في تأسيس وعي بصري لجيله لا ينبغي أن يتحول، بمجرد غيابه، إلى هامش في كتاب أو صورة مؤرشفة. إن استعادة اسمه اليوم هي، في معناها الأعمق، استعادة لجزء من الوعي الذي صنع تاريخنا الحديث.
إن إطلاق اسم الفنان الرائد ” حامد ندا” على مؤسسة فنية معاصرة ينقل الاسم من مستوى السيرة إلى مستوى المؤسسة، ومن الذاكرة الخاصة إلى الذاكرة العامة، ومن الماضي بوصفه زمنا منقضيا إلى الماضي بوصفه قوةً حية قادرة على إنتاج المعنى في الحاضر. وهنا يصبح الاسم نفسه فضاءً للذاكرة.

ومن ثم فإن المبادرة ليست تكريما فقط، بل محاولة لإعادة ترتيب العلاقة بين الفن وتاريخه، وإعادة بناء الجسر بين زمن التأسيس وزمن الحضور وزمن المستقبل.
و التاريخ الفني ليس محايدا تماما. فبقاء اسم وغياب آخر لا تحدده القيمة الجمالية وحدها، إذ تتداخل المؤسسة والسوق والنقد وآليات العرض والاقتناء والتعليم والنشر في صناعة الحضور والغياب. ولهذا فإن استعادة فنان رائد تفتح، في الوقت نفسه، سؤالًا نقديا مشروعا: هل كانت خريطة الذاكرة الفنية عادلة؟ وإذا لم تكن كذلك، فهل نستطيع اليوم أن نعيد قراءة تلك الخريطة؟
من هنا تكتسب تسمية الجاليري باسم الفنان الرائد ” حامد ندا” دلالتها الرمزية. فالاسم لم يعد لوحة تذكارية معلقة على جدار، بل صار عنوانا لممارسة ثقافية يومية: معرض، ولقاء، وكتاب، ووثيقة، وبحث، ونقاش، وجمهور جديد. وبذلك ينتقل الفنان من كونه موضوعا للتذكر إلى أن يصبح منتجا للذاكرة.
وهذا التحول بالغ الأهمية في الثقافة العربية. فالحركة التشكيلية العربية الحديثة لم تكن مسارا واحدا ولا قصةً مكتملة، بل شبكةً واسعة من التجارب والمدن والمدارس والأجيال والتحولات الاجتماعية والسياسية والفكرية. وتؤكد مشاريع أرشفة الفن العربي الحديث، وكذلك المعارض التي تصل أعمال الرواد بتجارب المعاصرين، أن استعادة الذاكرة يمكن أن تتحول إلى ممارسة بحثية ومؤسسية تعيد النظر في السرديات السائدة وتمنح المصادر الأولية والأعمال الفنية حياة جديدة في المجال العام.

إننا، إذن، لا نستعيد الرواد لكي نؤسس ترميزا للماضي، ولا لكي نضعهم في منطقة محصنة من النقد. على العكس: الاعتراف الحقيقي بالفنان يبدأ من القدرة على إعادة قراءته. أن نسأل عن تجربته، وعن زمنه، وعن علاقته بالحداثة والتراث والمجتمع، وأن نضع أعماله في حوار مع الأسئلة التي يطرحها الفن اليوم. فالماضي الذي لا يُسأل يتحول إلى أسطورة، أما الماضي الذي يُعاد بحثه فيتحول إلى معرفة.
وهنا يتجاوز جاليري ضي– بقيادة رئيس مجلس إدارته، الناقد هشام قنديل ومديره الشاب الدكتور محمد هشام قنديل — وظيفته المباشرة ليصبح فضاءً لإنتاج المعرفة. فالمؤسسة الفنية الجادة لا تكتفي بعرض الأعمال، إنها تصنع سياقا لها. توثق، وتفهرس، وتستعيد الوثائق، وتتيح للباحثين الوصول إلى المادة، وتنشر الدراسات، وتقدم المعارض بوصفها أطروحات بصرية، وتخلق صلة بين الفنانين الذين أسسوا المشهد والأجيال التي جاءت بعدهم.
وهذه هي المسؤولية الأخلاقية للمرجعية: ألا يتحول اسم الفنان إلى علامة تجارية منفصلة عن مشروعه، بل أن يكون الاسم وعدا بالحفاظ على الإرث، وتدقيق نسب الأعمال، واحترام التاريخ، وإتاحة المعرفة، وفتح المجال أمام النقد. فالمرجعية لا تُمنح بقرار، ولا تُثبتها الشهرة، إنها تُبنى بالبحث والزمن والمقارنة والقدرة على الصمود أمام القراءة النقدية.
وفي هذا المعنى، يصبح توثيق الفن العربي فعلًا من أفعال استعادة السيادة على السردية الجمالية: أن نكتب تاريخنا بأعمالنا ووثائقنا وأصوات فنانينا، لا أن نترك تعريفه بالكامل لآليات الانتقاء الخارجي أو لذاكرة السوق وحدها. وتذهب مشاريع بحثية عربية معاصرة صراحةً إلى توسيع دراسة الفن العربي الحديث خارج الشرائع السائدة في تاريخ الفن، وبناء أرشيفات تعتمد على المصادر الأولية والتعاون مع الفنانين وعائلاتهم والمؤسسات.
إن تسمية المكان باسم فنان الرائد” حامد ندا” يمكن أن تكون، بهذا المعنى، فعلًا من أفعال مقاومة النسيان. لكنها أيضا مقاومة لنوع آخر من النسيان: نسيان الأجيال الجديدة لجذورها البصرية. فالأجيال لا تحتاج إلى قائمة من الأسماء بقدر حاجتها إلى أن تفهم لماذا كان هؤلاء الفنانون مهمين، وما الذي أضافوه، وما الذي كان عصرهم يطلبه منهم، وكيف استطاعوا أن يحولوا التجربة الفردية إلى لغة يتعرف فيها مجتمع كامل على نفسه.
ولذلك فإن تعريف الأجيال بهذه الأسماء ليس ترفا ثقافيا. إنه جزء من بناء المواطن الجمالي، ومن تكوين الحس النقدي، ومن حماية الذاكرة الاجتماعية من الاختزال. حين يرى الشاب عمل فنان رائد في سياقه، ويقرأ وثيقته، ويسمع شهادات معاصريه، ثم يضعه أمام تجربة فنان معاصر، فإنه لا يتعلم تاريخا فحسب، بل يتعلم كيف يتشكل التاريخ نفسه.
إن الجاليري الذي يحمل اسم الفنان الرائد ” حامد ندا” يستطيع أن يكون، إذا امتلك هذا الوعي، نقطة التقاء بين ثلاثة أزمنة: زمن التأسيس، وزمن الحضور، وزمن المستقبل. في الزمن الأول نستعيد الأصل، وفي الثاني نعيد تفسيره، وفي الثالث نسأل عما يمكن أن نفعله بهذا الإرث. وهذا هو الفارق بين مؤسسة تحفظ اسما ومؤسسة تجعل الاسم منتجا للمعرفة: الأولى تؤجل النسيان، أما الثانية فتقاومه.
وهنا يصبح الفن العربي أكثر من مجموع أسماء وأعمال، يصبح ذاكرةً متحركة، تتغير كلما تغيرت أسئلتنا. فالعمل الفني لا ينتمي إلى زمن إنتاجه وحده، إنه يمتلك قابلية لأن يُقرأ من أزمنة لاحقة، وأن يكشف لنا عن أشياء لم نكن قادرين على رؤيتها لحظة ظهوره. وهذه هي قوة الفن الكبرى: أنه لا يحفظ الماضي فقط، بل يستطيع أن يعيد إنتاج الحاضر.
ومن ثم، فإن افتتاح جاليري “حامد ندا” ينبغي أن يُفهم بوصفه بداية مشروع، لا خاتمة تكريم. مشروعا يستعيد الاسم، نعم، لكنه يستعيد معه الوثيقة والسياق والبحث والسؤال. مشروعا لا يكتفي بأن يقول للأجيال: «هذا فنان مهم»، بل يذهب أبعد من ذلك ليسأل: ما الذي يجعل فنانا ما مرجعا؟ وكيف تصبح التجربة الفردية جزءا من الذاكرة الجمعية؟ وكيف نحول التراث الفني من مقتنيات صامتة إلى معرفة حية؟
إن أعمق أشكال الوفاء للرواد ليست أن نحفظ أسماءهم في القاعات، بل أن نمنحهم فرصة جديدة للدخول في الحوار. ليست أن نحولهم إلى تماثيل للماضي، بل أن نعيدهم إلى المجال الذي ينتمون إليه حقا: مجال الاختلاف، والتأويل، والنقد، والحوار، وإنتاج المعنى. فالتكريم الذي لا يفتح سؤالًا معرفيا يظل احتفالًا، أما التكريم الذي يعيد الفنان إلى التداول النقدي فيتحول إلى فعل ثقافي. وهذا ما يجعل استعادة الرواد ذات قيمة تتجاوز الحنين، كما يظهر في جدول عروض الجاليري، حيث تعرض أعمال الأجيال المؤسسة إلى جوار المعاصرين لإبراز استمرارية الذاكرة والتأثير بين الأجيال.
لهذا يمكن أن يصبح الجاليري الذي يحمل اسم الفنان الرائد ” حامد ندا” أكثر من مساحة للفن: يمكن أن يصبح بيتا للذاكرة الجمالية العربية، ومختبرا لإعادة قراءة التاريخ، وجسرا بين الأجيال، ومكانا تستعيد فيه المرجعية معناها بوصفها مسؤولية معرفية لا سلطة رمزية.
إننا لا نفتح بابا على الماضي هنا، بل نفتح الماضي نفسه على المستقبل.
وهذه، في تقديري، هي القيمة الأعمق لاستعادة أسماء الرواد: أن نحفظ التاريخ لا لكي نعيش فيه، بل لكي نعرف من أين جاء حاضرنا، ونمتلك الشجاعة الكافية لكي نكتب ما سيأتي بعده.
فاستعادة الاسم ليست عودة إلى الوراء، وإنما استعادة لإمكان لم يكتمل بعد، وكل فنان رائد يمكن أن يُقرأ مرة أخرى، وكل عمل يمكن أن ينتج معنى جديدا حين ينتقل من زمن إلى زمن. لذلك فإن افتتاح هذا الجاليري لا ينبغي أن يُفهم بوصفه وضع اسم على باب، بل بوصفه إعلانا عن موقف ثقافي: أن الفن العربي ذاكرة اجتماعية، وأن أسماء رواده ليست ملكا للماضي، بل جزء من مستقبلنا المعرفي والجمالي.
*كاتب وناقد تشكيلي
شبكة عالم جديد الإخبارية عالم جديد..موقع ينقل المعلومة والخبر من كل مكان في العالم وينشر المعرفة والإبداع