سوزان عاطف
في العلاقات الدولية، لا تُقاس قوة الحضور السياسي بعدد السفارات والقنصليات وحدها، وإنما بقدرة المؤسسات على بناء جسور مستدامة مع دوائر السياسة والإعلام والثقافة ومراكز الفكر والرأي العام.
مكتب الحزب الديمقراطي الكوردستاني في القاهرة
من هذا المنطلق، يبرز مكتب الحزب الديمقراطي الكوردستاني في القاهرة باعتباره نموذجًا يستحق التوقف أمامه، خصوصًا في ظل عدم وجود تمثيل دبلوماسي مستقل لإقليم كوردستان في مصر.
فالمكتب، الذي بدأ نشاطه في القاهرة عام 2018 تقريبا، لم يقتصر دوره على العمل الحزبي التقليدي، بل اتجه إلى المجالين السياسي والثقافي والإعلامي، وسعى إلى بناء شبكة من العلاقات مع الأحزاب المصرية والبرلمانيين والدبلوماسيين والأكاديميين والصحفيين والشخصيات العامة.
وتشير أنشطته المعلنة إلى تنظيم فعاليات للتعريف بالتاريخ والثقافة الكوردية، والتواصل مع الطلاب الكورد والعراقيين في مصر، فضلًا عن إقامة مناسبات تتصل بتاريخ الحزب والقضية الكوردية والصحافة الكوردية.
العلاقات المصرية الكوردية
وتكتسب القاهرة خصوصية استثنائية بالنسبة للكورد؛ فالعلاقة ليست وليدة اللحظة، وإنما تمتد إلى محطات تاريخية وثقافية مهمة. فقد صدرت صحيفة «كوردستان» في القاهرة عام 1898، كما ارتبط التاريخ السياسي الحديث بعلاقات بين الزعيم الكوردي مصطفى بارزاني والرئيس الراحل جمال عبدالناصر، فضلًا عن الدور الذي لعبته القاهرة في التواصل الإعلامي مع القضية الكوردية.
لكن السؤال الأهم اليوم ليس: ماذا فعل المكتب؟ وإنما: ماذا يمكن أن يفعل خلال المرحلة المقبلة؟
أتصور أن الخطوة الأولى تتمثل في الانتقال من «مكتب علاقات» إلى منصة مصرية-كوردية للحوار السياسي والفكري، تعقد بصورة دورية لقاءات مغلقة ومفتوحة تجمع سياسيين ودبلوماسيين وأكاديميين وصحفيين وخبراء من مصر وكوردستان، لمناقشة قضايا العراق والأمن الإقليمي ومكافحة الإرهاب والطاقة والمياه والاستثمار.
الدراسات الكوردية
والفكرة الثانية هي إنشاء وحدة للدراسات والأبحاث داخل المكتب، تكون مهمتها إعداد أوراق بحثية دورية باللغة العربية حول إقليم كوردستان والعراق، وتقديم صورة دقيقة للرأي العام المصري عن التطورات السياسية والاقتصادية والاجتماعية هناك، بعيدًا عن الصورة النمطية أو المعالجة الموسمية للأحداث.
أما المجال الثالث، فهو الإعلام. وهنا يمتلك المكتب فرصة كبيرة لبناء «قوة ناعمة» حقيقية عبر إقامة ملتقى سنوي للإعلام المصري والكوردي، ودعم إنتاج محتوى وثائقي وترجمات للكتب والدراسات، وتنظيم زيارات للصحفيين المصريين إلى أربيل، بما يسمح بتكوين معرفة مباشرة بالمجتمع الكوردي وتجربته السياسية والاقتصادية.
تعاون جديد
كما يمكن للمكتب أن يتحول إلى حلقة وصل اقتصادية بين رجال الأعمال المصريين وإقليم كوردستان، من خلال تنظيم منتديات استثمارية متخصصة في قطاعات البناء والصحة والتعليم والسياحة والزراعة والطاقة، خاصة أن المسؤولين الكورد أكدوا في مناسبات سابقة أهمية جذب المستثمرين المصريين.
والأهم، في تقديري، أن يظل المكتب واضحًا في طبيعته: مؤسسة حزبية لا بديلًا عن التمثيل الدبلوماسي الرسمي، فالعلاقات بين القاهرة وأربيل تمر عبر قنواتها الرسمية العراقية والمصرية، بينما يستطيع المكتب أن يؤدي وظيفة مختلفة ومكملة، تتمثل في بناء الجسور الشعبية والسياسية والثقافية.
دور مهم
وقد أثبتت التجربة بالفعل أن مكتب الحزب الديمقراطي الكوردستاني في القاهرة قادر على لعب هذا الدور؛ إذ نجحت فعالياته في جمع مسؤولين ودبلوماسيين ونواب وأساتذة جامعات وإعلاميين وشخصيات عامة، كما ساهم في إبراز الروابط التاريخية بين مصر وكوردستان.
من هنا، فإن تطوير دور مكتب الحزب الديمقراطي الكوردستاني في القاهرة لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مسألة تنظيمية داخل حزب، وإنما باعتباره فرصة لبناء قوة ناعمة كوردية أكثر حضورًا في العاصمة المصرية، والاستفادة من المكانة التاريخية للقاهرة باعتبارها مركزًا عربيًا لصناعة الرأي والفكر والثقافة.
التمثيل الدبلوماسي
فغياب سفارة أو قنصلية مستقلة لإقليم كوردستان في مصر لا يعني غياب الحضور الكوردي؛ بل ربما يكون التحدي الحقيقي هو تحويل المكتب الموجود بالفعل إلى جسر أكثر اتساعًا، يربط أربيل بالقاهرة، والسياسة بالثقافة، والإعلام بالاقتصاد، والتاريخ بالمستقبل.
*كاتبة و صحفية مصرية
شبكة عالم جديد الإخبارية عالم جديد..موقع ينقل المعلومة والخبر من كل مكان في العالم وينشر المعرفة والإبداع