الإثنين , 24 أغسطس , 2026
أخبار عاجلة

علي الزيدي وسلاح الميليشيات.. 30 أيلول موعداً للحسم أم بدايةً أزمة جديدة؟

قضية أسلحة الميليشيات في العراق أصبحت تمثل تحديا غير اعتيادي لرئيس الوزراء علي الزيدي، يرى الكاتب أن موعد 30 أيلول المقبل سيكون حاسما في تصورات الكافة لهيبة الدولة وسيادتها مستقبلا

 

 

شيركو حبيب

 

في العراق، لم يعد ملف السلاح خارج مؤسسات الدولة مجرد قضية أمنية يمكن تأجيلها من حكومة إلى أخرى، بل أصبح واحداً من أكبر الاختبارات أمام الدولة العراقية وهيبتها وسيادتها.

 

ولهذا؛ فإن الموعد الذي حددته حكومة رئيس الوزراء علي الزيدي، في 30 أيلول/سبتمبر 2026، ليس تاريخاً عادياً، إنه موعد سيُنظر إليه باعتباره اختباراً حقيقياً: هل تستطيع الحكومة العراقية أن تجعل قرارها نافذاً على الجميع، أم أن السلاح سيبقى أقوى من القرار السياسي؟

 

الزيدي أعلن بوضوح أن حصر السلاح بيد الدولة قرار أساسي في برنامج حكومته، وأنه لن يسمح بعد نهاية أيلول لأي جهة بحمل السلاح خارج إطار الدولة، كما تعهد بالمضي في ملف نزع سلاح الفصائل المسلحة، لكن بين إعلان القرار وتنفيذه مسافة كبيرة.

 

فالعراق ليس أمام جماعة مسلحة واحدة يمكن التفاوض معها بقرار واحد، وإنما أمام فصائل متعددة، لكل منها حساباتها السياسية والعسكرية وعلاقاتها الداخلية والخارجية، وبعض الفصائل أبدى استعداداً للتخلي عن السلاح أو الاندماج في المؤسسات الأمنية، بينما لا تزال فصائل أخرى ترفض التخلي عن قدراتها العسكرية، أو تربط ذلك بشروط سياسية، من بينها انتهاء الوجود العسكري الأمريكي، وهنا تكمن صعوبة مهمة الزيدي.

فالسؤال الحقيقي ليس: هل يريد رئيس الوزراء نزع السلاح؟

بل: هل تستطيع الدولة العراقية أن تنزع السلاح عندما يرفض صاحبه تسليمه؟. هذه هي النقطة الفاصلة، لأن حصر السلاح بيد الدولة لا يتحقق بالبيانات والمؤتمرات الصحفية، ولا بمجرد الحصول على موافقة بعض الفصائل، فالدولة تصبح دولة عندما يكون قانونها نافذاً على الجميع، وعندما لا توجد قوة مسلحة تستطيع أن تقول للحكومة: هذا القرار لا يعنيني.

 

ومن هذه الزاوية، فإن 30 أيلول سيكون اختباراً شخصياً وسياسياً للزيدي أيضاً.

إذا نجحت الحكومة في تنفيذ قرارها بصورة قانونية وسلمية، أو في إدماج الفصائل الرافضة ضمن المؤسسات الرسمية وفق شروط الدولة وسلسلة القيادة القانونية، فإن ذلك سيكون تحولاً مهماً في تاريخ العراق الحديث، وسيعني أن بغداد بدأت تستعيد تدريجياً احتكار الدولة لاستخدام القوة.

 

أما إذا انتهت المهلة من دون تنفيذ حقيقي، وجرى تمديدها أو فتح باب جديد للمفاوضات من دون نتيجة واضحة، فإن الرسالة ستكون مختلفة تماماً: أن الدولة العراقية ما زالت غير قادرة على فرض قرارها على القوى المسلحة.

 

وهذا لا يعني بالضرورة أن المواجهة العسكرية هي الطريق الصحيح، على العكس، أخطر ما يمكن أن يحدث هو انتقال العراق من أزمة السلاح إلى حرب داخلية بين الدولة والفصائل. لذلك فإن نجاح الزيدي لا يقاس فقط بقدرته على نزع السلاح، وإنما بقدرته على تحقيق ذلك من دون إدخال العراق في صدام دموي جديد.

 

وهنا، برأي تحتاج الحكومة إلى ثلاثة أمور واضحة: قرار سياسي موحد، غطاء قانوني قوي، ومؤسسات أمنية وعسكرية قادرة على تنفيذ القانون.
كما تحتاج إلى موقف سياسي عراقي واسع، لأن هذا الملف لا يمكن أن يبقى قضية تخص رئيس الوزراء وحده. فحتى الآن ظهرت داخل القوى السياسية العراقية أصوات تدعو إلى التدرج أو تأجيل بعض خطوات نزع السلاح، في مقابل مواقف أكثر تشدداً تتمسك بموعد 30 أيلول.

 

لذلك فإن الأيام المقبلة ستكون حاسمة، والأهم أن الحكومة يجب ألا تقع في خطأ الخلط بين دمج المقاتلين في الدولة وبين الإبقاء على تشكيلات مسلحة مستقلة داخل الدولة.

 

العراق يحتاج إلى مؤسسات أمنية وطنية واحدة، وقرار عسكري واحد، ومرجعية سياسية واحدة، أما وجود أكثر من مركز للقوة، فيعني عملياً استمرار مشكلة الدولة منذ سنوات.

 

هناك أيضاً عامل خارجي لا يمكن تجاهله، فجزء من الفصائل العراقية المسلحة لديه علاقات وثيقة مع إيران، ولذلك فإن ملف السلاح العراقي لا ينفصل تماماً عن الصراع الإقليمي. وقد ظهرت بالفعل تقارير عن تدخلات وضغوط مرتبطة بمحاولات بغداد تنفيذ خطة نزع السلاح، لكن العراق إذا أراد أن يكون دولة ذات سيادة، فلا يمكن أن تكون عاصمته مكاناً لاتخاذ قرارات الحرب والسلم نيابة عن الآخرين، لا يمكن أن يكون العراق ساحة للصراع بين واشنطن وطهران، ولا أن يكون سلاح الفصائل ورقة في أي مفاوضات إقليمية.

 

العراقيون دفعوا ثمناً باهظاً بسبب الحروب والانقسامات والصراعات المسلحة، واليوم لديهم فرصة لبناء دولة مختلفة، دولة يكون فيها الجيش والقوات النظامية والقانون فوق الجميع، ومن هنا، فإن 30 أيلول ليس نهاية الملف بالضرورة، لكنه قد يكون بداية مرحلة جديدة.

 

إذا نفذ الزيدي وعده، فسيكون قد وضع أساساً جديداً لعلاقة الدولة بالقوى المسلحة. وإذا تراجع أو عجز، فسيبقى السؤال مفتوحاً: من يملك القرار في العراق، الحكومة أم السلاح؟

 

والإجابة عن هذا السؤال هي في الحقيقة الإجابة عن سؤال أكبر: هل أصبح العراق دولة كاملة السيادة، أم لا يزال دولة تتقاسمها مراكز القوة؟

 

في نهاية المطاف، لا يحتاج العراق إلى رئيس وزراء ينتصر على فصيل، بل إلى دولة تنتصر على منطق السلاح خارج القانون، وهذا هو الاختبار الحقيقي لعلي الزيدي في 30 أيلول.