أ. د. محمود زايد
وهكذا لا يمر شهران أو ثلاثة إلا وتشهد العاصمة المصرية ميلاد كتاب جديد للكاتب الصحفي شيركو حبيب، ومحطته هذه المرة تواكب الذكرى الثمانين لميلاد الحزب الديموقراطي الكوردستاني، ومن هنا جاء في كتابه الثالث عشر، ليؤرخ لسيرة ونضال الحزب الديموقراطي الكوردستاني منذ نشأته وحتى الآن.
صدر الكتاب اليوم في ثوب قشيب تتميز به دار أم الدنيا للنشر والتوزيع، التي حازت قصب السبق في طبع ونشر كل مؤلفات الأستاذ شيركو حبيب، الذي يكتب هنا كونه يمثل مصدرا للأحداث، فهو عضو بالحزب منذ العام ١٩٨١ م، وشاهد على الكثير.
شيركو حبيب
خلال محطات الكتاب، نجح مؤلفه أن يقدم للقارئ المصري والعربي والكوردي توثيقا للذاكرة الكوردية، بمعنى أن الكتاب ليس مجرد سرد تاريخي، بل موسوعة سياسية ترصد مسيرة حزبٍ كان ولا يزال أحد أكبر اللاعبين الأساسيين في العراق وإقليم كردستان، وتبرهن على ذلك خلفيات القرارات والمحطات التي شكلت مصير الشعب الكوردي لعقود.
ففي زمنٍ كانت فيه الأمم ترسم خرائطها بدماء أبنائها، وتُكتب فيه الحدود بسيف الغالب لا بإرادة الشعوب، جاء ميلاد الحزب الديموقراطي الكوردستاني المعروف اختصارا بـ «البارتي»، ليشهد عام ١٩٤٦ م انبثاق فجرُه حاملاً على كتفيه وعدَ أمةٍ بحثت عن هويتها بين رياح التاريخ العاتية.
حلم الدولة
فمن منظور أن حلم الدولة ربما يولد في مهب الريح، لم يأت البارتي حدثاً عابراً؛ وإنما جاء في حقبة كانت فيها القومية الكوردية تبحث عن إطار سياسي يحمي طموحاتها، حيث تزامن تأسيسه مع قيام جمهورية كوردستان قصيرة الأجل في شرقي كوردستان،
وكان للزعيم الكوردي ومؤسس الحزب ملا مصطفى البارزاني دوره المحوري في قيادة القوات العسكرية للجمهورية، قبل أن تنهار وتدفع به وبأنصاره إلى منفى طويل في الاتحاد السوفيتي.
هذه البداية القاسية أرست شخصية الحزب النضالية، وجعلت من الصبر على المحن سمةً لصيقة به.
أهداف الحزب ونضاله
تنوعت أهداف الحزب التي تناولها المؤلف في كتابه بين وطنية وقومية وإقليمية ودولية، وتطورت بتطور المرحلة.
على المستوى الوطني، كان الهدف الأول هو الديمقراطية للعراق والحكم الذاتي لكوردستان، ثم تطور لاحقاً إلى المطالبة بحق تقرير المصير في إطار فيدرالي وهو الذي تحقق إلا بعد ٢٠٠٣ م.
وعلى المستوى القومي، بين الكاتب أن الحزب هدف إلى توحيد الصف الكوردي، والحفاظ على الهوية واللغة والثقافة الكردية، ومواجهة سياسات التغيير الديموغرافي والتهجير القسري التي مارسها النظام البعثي، خاصةً في كركوك والمناطق المتنازع عليها.
علاقات متوازنة
وفي الشأن الإقليمي سعى الحزب إلى إقامة علاقات متوازنة مع دول الجوار (إيران، تركيا، سوريا) بما يخدم القضية الكوردية، مع التعامل بحذر مع تدخلاتها التي غالباً ما كانت تستخدم الكورد كأداة في صراعاتها.
أما دوليًّا، فإن الحزب فتح قنوات دبلوماسية مع القوى الكبرى، خاصةً الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، للحصول على دعم سياسي وعسكري، وهي استراتيجية استمرت عبر الأجيال القيادية للحزب ووصلت إلى وجود ممثليات لإقليم كوردستان والحزب في العديد من دول العالم، ومن بينها مصر التي يوجد بها مكتب للحزب.
لقد عرّج بنا المؤلف في كتابه على ما يمكن أن أسميه «محطات إعادة تعريف الذات»، وما أعنيه هنا المؤتمرات الأربعة عشر للحزب منذ المؤتمر الأول في بغداد عام ١٩٤٦م وحتى آخر مؤتمر له عقد في دهوك ٢٠٢٣م.
ومما قرره المؤلف وما أثبتته الأحداث فإن المؤتمرات الأربعة عشر لم تكن مجرد اجتماعات تنظيمية، بل كانت نقاط تحول فارقة. بحيث حمل كل مؤتمر بصمة مرحلته السياسية.
زعماء الحزب
في الكتاب، أفسح المؤلف مساحة واسعة لزعماء الحزب الكبار، وهم ثلاث شخصيات صنعت التاريخ، على رأسهم الأب المؤسس ملا مصطفى (١٩٠٣-١٩٧٩م)، والرئيس مسعود البارزاني الذي شاءت الأقدار أن يكون يوم ميلاده هو نفسه يوم ميلاد الحزب الديموقراطي الكوردستاني. ثم المرحوم إدريس البارزاني (١٩٤٤-١٩٨٧م)، الذي اشتهر بأنه صانع السلام الضائع.
كما استعرض الكتاب أهم المحطات النضالية والوطنية الكبرى التي جعلت الحزب حاضراً في كل منعطف سياسي كوردي وعراقي، مثل ثورة أيلول وگولان، وانتفاضة مارس/ آذار ١٩٩١ م وغيرها من الأحداث الكثيرة ومن جهود الكفاح المريرة، التي ضحى من أجلها الشعب الكوردي بالغالي والنفيس، تحت لواء قادته توقًا إلى الحقوق القومية المشروعة، وصولا إلى العراق الجديد، عراق ما بعد ٢٠٠٣م وكيف أسهم الكورد بفاعلية في بناء هيكله وهويته الجديدة التي أقرت الفيدرالية لإقليم كوردستان العراق دستوريا.
الديمقراطي الكوردستاني و العراق
يتجاوز الكتاب الداخل الكوردي ليُبرز الدور الذي لعبه الحزب في معادلة العراق السياسية. فعلى مستوى بغداد كان الحزب ولا يزال جزءًا من التحالفات الحاكمة، وله مقاعد مؤثرة في البرلمان، وحقائب وزارية، وشخصياته السياسية بقيادة الرئيس مسعود البارزاني ومن بعده نيچيرڤان بارزاني ومسرور بارزاني كانت حاضرة في كل مفاوضات حل الأزمات الوطنية.
المحيط الإقليمي
وعلى مستوى الإقليم فإن الحزب هو الشريك الأساسي في حكومة إقليم كوردستان إلى جانب الاتحاد الوطني، ويقود مشروع بناء مؤسسات الحكومة ومشاريع التنمية في محافظات الإقليم بصورة جعلت حالة إقليم كوردستان الحالية أملا يتوق إليه مواطنو المحافظات العراقية العربية، ويشيد بهذه الإنجازات كل زائر وسائح الإقليم، رغم الكثير من المشكلات والمعوقات التي يثيرها الحاقدون على الإقليم من داخل العراق وخارجه.
كتاب شيركو حبيب ليس تأريخاً للماضي فحسب، بل هو نافذة على حاضر الحزب ومستقبله، يرويها ليس فقط بالكلمات، بل بألبومٍ من الصور النادرة التي تجعل التاريخ ينبض بالحياة أمام أعيننا، وكأنه يريد أن يقول: إن اختبار الحزب الحقيقي لم ينته بعد؛ فهو الآن في سباق مع الزمن ليثبت باستمرار أنه قادر على قيادة المرحلة القادمة بنفس الجرأة والنجاح السياسي اللذين ميزا مسيرته الطويلة.
شبكة عالم جديد الإخبارية عالم جديد..موقع ينقل المعلومة والخبر من كل مكان في العالم وينشر المعرفة والإبداع