الأحد , 20 سبتمبر , 2026
أخبار عاجلة

حكيم جماعين يكتب: الخبيئة.. حين يخرج الفن من عتمة النسيان 

ثمة معارض لا تبدأ من الأعمال التي نراها، وإنما من السؤال الذي يجعلنا نراها بطريقة مختلفة. ومعرض «الخبيئة» على قاعة ضي الزمالك ينتمي في تقديري، إلى هذا النوع من التجارب التي لا تكتفي بوضع الأعمال في مواجهة العين، بل تدفع المتلقي إلى مساءلة ما وراء المرئي: تاريخ العمل، وذاكرته، ومساره، وموقعه داخل الوعي الفني والاجتماعي.

 

فالخبيئة ليست مجرد مكان تختزن فيه الأشياء، وإنما هي حالة من حالات الوجود الثقافي شيء موجود لكنه غير حاضر، محفوظ لكنه غير متداول، حيّ مادياً لكنه مهدد بالنسيان رمزياً. ومن هنا فإن عنوان المعرض يبدو وكأنه يفتح ثنائية مركزية تحكم التجربة كلها: الظهور والاختفاء، الذاكرة والنسيان، الأرشيف والحضور.

 

إننا لا ندخل إلى «الخبيئة» بوصفها مستودعاً للأعمال، وإنما ندخل إليها بوصفها استعارة لما يحدث للفن حين ينفصل عن زمنه الأول، وحين يصبح مصيره معلقاً بين الحفظ والنسيان.

 

 

 

 

الفن بوصفه أثراً اجتماعياً

 

تكمن إحدى أهم إمكانات قراءة «الخبيئة» في النظر إلى العمل الفني باعتباره أكثر من كيان جمالي مستقل. فالفن، من منظور سوسيولوجي، لا يولد في فراغ إنه ابن بيئته، وعلاقاته، ومؤسساته، وذائقته الاجتماعية. والعمل الفني، مهما بدا فردياً، يحمل في مادته آثار زمنه وشروطه ومخيلته الجمعية.

ولهذا فإن اللوحة ليست لوناً وشكلاً فقط إنها، في لحظة معينة، وثيقة اجتماعية صامتة.

إنها تخبرنا عن الطريقة التي كان الإنسان يرى بها نفسه والعالم من حوله، وعن الأشياء التي كان يمنحها قيمة، وعن المخاوف التي كانت تسكنه، وعن الجماليات التي كانت تشكل ذائقته. ومن هنا تصبح قراءة الفن نوعاً من قراءة المجتمع نفسه.
وهذه هي النقطة التي تجعل «الخبيئة» قابلة للقراءة خارج حدود التشكيل وحده. فاستعادة العمل من مخبئه تعني، في أحد مستوياتها، استعادة جزء من السياق الاجتماعي الذي أنتجه.

تؤكد مقاربات سوسيولوجيا الفن أن العمل الفني مرتبط بشروط إنتاجه وتلقيه وبالمؤسسات التي تمنحه مكانته داخل الحقل الثقافي. ومن ثم فإن الفنان ليس ذاتاً معزولة عن العالم، والعمل ليس جسماً مستقلاً عن المجتمع كلاهما يدخل في شبكة من العلاقات الثقافية والاجتماعية والتاريخية.

 

 

 

ما الذي تخبئه الخبيئة؟

السؤال الأكثر إثارة في المعرض ربما لا يتعلق بما تعرضه «الخبيئة»، وإنما بما تخبئه.

فالخبيئة، بالمعنى الفلسفي، ليست مكاناً مادياً فحسب، بل هي أيضاً زمن مؤجل. إنها الأشياء التي لم تفقد قيمتها، لكنها فقدت حضورها الأعمال التي بقيت خارج الضوء، لا لأن الضوء غير موجود، بل لأن شروط الرؤية نفسها تغيرت.

وهنا يتحول النسيان إلى قضية ثقافية.

فالمجتمع لا ينسى بصورة عفوية دائماً هناك أنظمة للعرض والاقتناء والتوثيق والنقد والمؤسسات تحدد، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، ما الذي يستمر في الذاكرة وما الذي يتراجع إلى الهامش.

ولذلك فإن إخراج عمل من «الخبيئة» ليس فعلاً بريئاً تماماً إنه إعادة إدخاله في المجال الثقافي، ومنحه فرصة جديدة لأن يُرى ويُقرأ ويُناقش.

بهذا المعنى، يصبح المعرض فعلاً من أفعال إعادة توزيع الضوء.

ليس الضوء هنا ضوء الصالة فحسب، وإنما الضوء الرمزي الذي يمنحه المجتمع للعمل حين يعترف بحضوره ويعيد إدخاله في ذاكرته البصرية.

 

الذاكرة ليست مستودعاً

 

لكن «الخبيئة» لا تستعيد الماضي لكي تقدمه لنا كما كان فالذاكرة نفسها ليست مستودعاً ثابتاً. إنها عملية مستمرة من الانتقاء وإعادة البناء والتأويل.
وهنا تكمن المفارقة: نحن لا نستعيد العمل القديم لكي نراه بعين الماضي، وإنما لكي نراه بعين الحاضر.

كل مشاهدة جديدة تعيد ترتيب العلاقة بين العمل والزمن. فاللوحة التي كان لها معنى محدد لحظة إنتاجها يمكن أن تكتسب، بعد عقود، دلالات لم تكن في حسبان الفنان نفسه. الزمن لا يستهلك العمل بالضرورة أحياناً يمنحه طبقات إضافية من المعنى.
ومن هذه الزاوية، تبدو «الخبيئة» أقرب إلى مختبر للذاكرة الفنية منها إلى مجرد معرض.

إنها تختبر ما يحدث حين ينتقل الأثر من سياقه الأول إلى سياق جديد، وحين يتحول العمل من تجربة فردية إلى مادة للذاكرة الجماعية.

فالذاكرة الجمعية لا تتكون من مجموع ذكريات الأفراد فقط، وإنما تتشكل داخل أطر اجتماعية وثقافية تمنح الأشياء قدرتها على الاستمرار والتداول. ولهذا ارتبط الفن، في قراءات متعددة، بمهمة حفظ الذاكرة وتشكيل الهوية الثقافية.

 

 

 

 

الجاليري: من مكان للعرض إلى مؤسسة للذاكرة

 

ومن هنا تحديداً تتجاوز أهمية «الخبيئة» حدود المعرض نفسه لتصل إلى السؤال عن وظيفة الجاليري.

ما الذي ينبغي أن تكون عليه المؤسسة الفنية؟
هل يكفي أن يكون الجاليري فضاءً أنيقاً تتجاور على جدرانه الأعمال؟ أم أن عليه مسؤولية أعمق تجاه ما ينتجه المجتمع من إبداع؟

إن الجاليري الذي يتعامل مع الفن بوصفه مادة للبيع أو العرض فقط يؤدي وظيفة محدودة، بينما المؤسسة التي ترى نفسها جزءاً من دورة الحياة الثقافية تتحمل مسؤولية أخرى: أن تحفظ، وتوثق، وتصون، وتبحث، وتعرض، وتعيد تقديم ما كاد أن يغيب.

وهنا تتقاطع وظيفة الجاليري مع وظيفة الأرشيف والمتحف، من دون أن يفقد خصوصيته.

فالحفظ ليس ترفاً مؤسساتياً. إنه فعل ثقافي ضد التلف وضد النسيان وضد انقطاع السلسلة التاريخية للإبداع.

وقد أظهرت دراسات حول المتاحف والذاكرة الجماعية أن المؤسسات التي تحفظ التراث تؤدي وظيفة اجتماعية تتصل بمواجهة النسيان الجماعي وحماية الذاكرة الثقافية، مع ضرورة الانتباه في الوقت نفسه إلى أن اختيارات المؤسسات لما تعرضه وما تستبعده تؤثر في تشكيل تلك الذاكرة.

 

وهنا يصبح السؤال أكثر عمقاً: من يحفظ الذاكرة؟ ومن يقرر ما يستحق أن يُحفظ؟
إنها مسؤولية ثقافية وأخلاقية قبل أن تكون إدارية.

 

الخبيئة والأرشيف

 

في زمن الصورة السريعة، يصبح الأرشيف أكثر أهمية لا أقل.
فالعمل الفني من دون توثيق قد يفقد جزءاً من سيرته، ومن دون معرفة تاريخه يصبح قابلاً للانفصال عن سياقه، ومن دون حفظ مادي قد يختفي الأصل الذي تقوم عليه الذاكرة الفنية.

لهذا لا ينبغي أن يُنظر إلى الأرشيف باعتباره غرفة خلفية للمؤسسة الفنية. الأرشيف هو، في جوهره، ذاكرة المؤسسة نفسها.

الصور، والكتالوجات، والمراسلات، وتواريخ الأعمال، وشهادات الفنانين، والمواد المرتبطة بالمعارض، كلها ليست هوامش حول العمل إنها مفاتيح لفهمه وتأريخه.

وفي هذا السياق، يصبح الجاليري الذي يحفظ الأعمال ويصون وثائقها مشاركاً في كتابة تاريخ الفن، حتى وإن لم يكن مؤسسة أكاديمية بالمعنى التقليدي.

فالمؤرخ والباحث يحتاجان إلى الأرشيف كي يعيدا بناء التجربة الفنية ضمن شروطها التاريخية والاجتماعية. وقد طُرحت في النقاشات العربية المعاصرة حول الأرشيف الفني مسألة غياب الوثائق بوصفها عائقاً أمام كتابة تاريخ الفن وتأريخ التجارب البصرية.

 

من الحفظ إلى إعادة الحياة

 

لكن قيمة «الخبيئة» لا تكمن في الحفظ وحده.
فالعمل المحفوظ في الظلام، مهما كانت قيمته، يظل ناقص الحياة الثقافية. لذلك فإن العرض هو الوجه الآخر للحفظ.

إن المؤسسة الفنية لا تصون العمل لكي تمنعه من العالم إنها تصونه لكي تعيده إلى العالم.

وهذه هي المسافة التي يقطعها «الخبيئة»: من التخزين إلى العرض، ومن الغياب إلى الحضور، ومن الذاكرة الخاصة إلى الذاكرة العامة.

وحين يخرج العمل من مكانه المغلق إلى فضاء الجاليري، لا يصبح مرئياً فقط بل يدخل في علاقة جديدة مع العين والذائقة والنقد والجمهور.
إنه يبدأ حياة ثانية.

وهذه الحياة الثانية ربما تكون أهم من الأولى في بعض الأحيان، لأنها تتيح للعمل أن يتحرر من لحظته التاريخية الضيقة وأن يدخل في حوار مع حاضر لم يكن موجوداً حين أنجزه الفنان.

 

المعرض كفعل نقدي

 

لهذا لا ينبغي التعامل مع «الخبيئة» باعتباره معرضاً استعاديّاً بالمعنى التقليدي فقط، بل يمكن النظر إليه باعتباره فعلاً نقدياً تجاه الذاكرة الفنية.

فالمعرض يسأل بصورة ضمنية: لماذا بقيت بعض الأعمال في الظل؟ ولماذا تستحق اليوم أن تعود إلى الضوء؟ وما الذي يحدث حين نعيد ترتيب علاقتنا بها؟

وهذا السؤال لا يخص الأعمال وحدها، بل يخص تاريخ الفن الذي نكتبه أيضاً.

فكل تاريخ للفن هو، بدرجة ما، تاريخ لما اختير أن يُروى. وما لم يدخل السردية قد يبقى خارجها، حتى لو كان موجوداً مادياً.

ومن هنا تصبح المعارض التي تستعيد الأعمال الأقل حضوراً مهمة لأنها تفتح إمكانية توسيع السردية، وإعادة النظر في الذاكرة البصرية، وتحريرها من الاختزال.

 

 

«الخبيئة» بوصفها وعداً للمستقبل

 

المفارقة الأجمل أن المعرض الذي يتحدث عن الماضي يطرح سؤالاً عن المستقبل.
فلماذا نحفظ؟
نحفظ لأن هناك دائماً من سيأتي بعدنا.
نحفظ لأن العمل الذي لا نعرف قيمته اليوم قد يصبح غداً مفتاحاً لفهم مرحلة كاملة. نحفظ لأن الذاكرة الفنية ليست ملكاً للحظة الراهنة، وإنما مسؤولية تمتد عبر الأجيال.
ومن هنا فإن المؤسسة الفنية التي تصون التراث الإبداعي لا تقوم بعمل رجعي، بل تمارس فعلاً مستقبلياً.
إنها تقول إن الثقافة لا تُبنى من الحاضر وحده، وإن المستقبل نفسه يحتاج إلى آثار الماضي لكي يفهم كيف وصل إلى ما هو عليه.

 

خاتمة: أن نُخرج الفن من النسيان

 

في «الخبيئة» لا يبدو العمل الفني شيئاً ينتظر المشاهدة وحسب يبدو كأنه ينتظر استعادة حقه في الذاكرة.
وهنا تتجاوز التجربة معناها التشكيلي لتصبح سؤالاً عن علاقتنا بما ننتجه ثم نتركه خلفنا.
فالفن، إذا لم يجد مؤسسة تصونه، يمكن أن يضيع مادياً. وإذا لم يجد من يوثقه، يمكن أن يضيع تاريخياً. وإذا لم يجد من يعرضه ويعيد قراءته، يمكن أن يضيع اجتماعياً ورمزياً.
من هنا تأتي أهمية الجاليري بوصفه مؤسسة ثقافية: ليس فقط أن يفتح أبوابه للفن، وإنما أن يحرس الذاكرة التي يحملها الفن.
ولعل هذا هو المعنى الأكثر عمقاً الذي يمكن أن نستخلصه من «الخبيئة»: أن ما هو مخفي ليس بالضرورة منسياً، وأن ما هو محفوظ لا يصبح حياً إلا حين يجد طريقه إلى العين والوعي والذاكرة.
إن المعرض لا يفتح خزائن الماضي فقط إنه يفتح سؤالاً حول مستقبل الذاكرة الإبداعية.
وبين العمل والجدار، وبين الفنان والمؤسسة، وبين الماضي والمتلقي، تتشكل تلك المسافة التي تجعل من الفن أكثر من أثر جمالي: وثيقة للوجود، وشاهداً على المجتمع، وذاكرة قابلة لأن تستعيد حياتها كلما وجد من يصونها ويمنحها فرصة جديدة للظهور.
وهكذا تصبح «الخبيئة» فعلاً ثقافياً مزدوجاً: كشف ما اختفى، وحماية ما ينبغي ألا يختفي.

 

*ناقد وفنان تشكيلي