محمد بلال يكتب: سوريا بين صراع الداخل وضغوط الخارج
الجيش السوري وقسد ومصير الكورد
يعيش المشهد السوري مرحلة جديدة من إعادة ترتيب موازين القوى، حيث تتقاطع الصراعات الداخلية مع التدخلات الخارجية، في وقت لم تُحسم فيه بعد طبيعة العلاقة بين الدولة السورية والقوى المحلية المسلحة، وعلى رأسها قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، بالتوازي مع استمرار الضربات الإسرائيلية داخل الأراضي السورية.
هذه التفاعلات المتزامنة تكشف عن مفارقة لافتة، صراع داخلي متصاعد حول السيادة والسلطة، يقابله هامش محدود من الردّ المباشر تجاه الهجمات الخارجية، ما يعكس تعقيد الحسابات السياسية والعسكرية التي تحكم الواقع السوري الحالي.
أولًا: العلاقة بين النظام السوري وقسد… صراع السيادة أم تفاوض القوة؟
تمثل قوات سوريا الديمقراطية لاعبًا رئيسيًا في شمال وشرق سوريا منذ سنوات، ومسيطرة على مناطق استراتيجية تشمل أجزاء واسعة من الحسكة والرقة ودير الزور.
ويكمن جوهر الخلاف بينها وبين دمشق في طبيعة اندماجها داخل الدولة السورية؛ إذ تطالب “قسد” بالحفاظ على هيكلها العسكري ككتلة موحدة داخل الجيش، بينما تصر الحكومة السورية على دمج مقاتليها تحت القيادة المركزية للدولة دون كيانات مستقلة.
هذا التباين يعكس صراعًا أعمق حول مفهوم السيادة ووحدة القرار العسكري، وليس مجرد خلاف إداري أو سياسي. كما تشير تقارير تحليلية إلى أن مناطق شرق سوريا تمثل محورًا للتنافس بين النظام السوري وحلفائه من جهة، وقسد من جهة أخرى.
ثانيًا: صراعات الداخل وتعدد القوى… دولة واحدة أم خرائط متعددة؟
لا يقتصر المشهد السوري على الثنائية بين النظام وقسد، بل يتداخل فيه حضور فصائل محلية وقوى إقليمية ودولية، ما أدى إلى تعدد مراكز القوة وتعقيد مسارات الحل السياسي.
وتشير تقارير صحفية حديثة إلى محاولات لدمج المؤسسات العسكرية والمدنية التابعة لقسد في بنية الدولة السورية، في إطار اتفاق سياسي يهدف إلى إنهاء الاشتباكات وإعادة توحيد المؤسسات، لكن تنفيذ هذه التفاهمات يظل محفوفًا بالتحديات وانعدام الثقة بين الأطراف
كما أن استمرار التوترات الميدانية رغم الاتفاقات السياسية يعكس هشاشة التوازنات القائمة، ويؤكد أن الصراع لم يتحول بعد إلى مسار سياسي مستقر.
ثالثًا: المفارقة السورية… صراع داخلي مقابل رد محدود على إسرائيل
تبدو المفارقة الأكثر لفتًا في المشهد السوري في التناقض بين حدة الصراع الداخلي مع قسد، وبين طبيعة الردّ على الضربات الإسرائيلية المتكررة داخل سوريا.
فوفق تقارير الأمم المتحدة، نفذت إسرائيل أكثر من 116 غارة جوية داخل الأراضي السورية خلال فترة زمنية قصيرة، ما تسبب في خسائر بشرية وأضرار في البنية التحتية.
ورغم ذلك، ظل رد النظام السوري محدودًا نسبيًا، مقارنة بتصعيده تجاه قوى محلية مثل قسد، وهو ما يفتح الباب أمام قراءة سياسية مفادها أن النظام يوازن بين أولويات الداخل وضغوط الخارج، ويتجنب مواجهة مباشرة مع قوى إقليمية ذات قدرات عسكرية متفوقة.
هذا التباين في أنماط المواجهة يعكس واقعًا مركبًا، فالصراع الداخلي يُدار بوصفه معركة سيادة مباشرة، بينما تُدار المواجهة مع إسرائيل ضمن حسابات إقليمية أوسع تتجاوز القدرة العسكرية السورية وحدها.
رابعًا: البعد الدولي والإقليمي… سوريا كساحة صراع نفوذ
يشير مراقبون إلى أن الأزمة السورية لم تعد صراعًا داخليًا بحتًا، بل تحولت إلى ساحة لتنافس القوى الدولية والإقليمية، وهو ما أكده تحذير الأمم المتحدة من خطر توسع النزاع وتأثير التدخلات الخارجية على الاستقرار الإقليمي.
وفي هذا السياق، تصبح العلاقة بين دمشق وقسد جزءًا من شبكة أكبر من التوازنات، تشمل الولايات المتحدة وتركيا وإيران وإسرائيل، ما يجعل أي حل داخلي مرتبطًا بشكل مباشر بتفاهمات خارجية.
سوريا بين الدولة الممكنة والدولة المؤجلة
يبدو المشهد السوري اليوم أقرب إلى معادلة معقدة تجمع بين صراع السيادة في الداخل، وتوازن الردع في الخارج.
وبينما يسعى النظام السوري إلى إعادة فرض سلطته على كامل الجغرافيا، تظل علاقته مع قسد اختبارًا حقيقيًا لمفهوم الدولة المركزية، في وقت تستمر فيه الضربات الإسرائيلية دون تحولها إلى مواجهة شاملة.
وبين هذين المسارين، يبقى مستقبل سوريا مرهونًا بقدرتها على تحويل الصراع الداخلي إلى تسوية سياسية، دون أن تتحول البلاد إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية.
شبكة عالم جديد الإخبارية عالم جديد..موقع ينقل المعلومة والخبر من كل مكان في العالم وينشر المعرفة والإبداع