القرآن والسنة في رمضان
يظل القرآن الكريم الملا الأسمى الذي تستمد منه القلوب قوتها وتستعيد به النفوس زكاءها، فهو حبل الله المتين ونوره المبين الذي لا تنقضي عجائبه ولا يَخلقُ على كثرة الرد، وفي غمرة مكابد الدنيا وضجيج مادتها يبرز الوحي الشريف كخير أنيس يبدد وحشة الغربة ويمنح الروح طاقة اليقين لتمضي في دربها بسلام وسكينة، ولا يمكن فصل هذه العظمة القرآنية عن مشكاة السنة المحمدية الأكيدة التي كانت هي التفسير الحي والتطبيق الواقعي لهذا النور، فالسنة النبوية لم تكن مجرد نصوص تشريعية بل كانت رحلة وجدانية جسد فيها النبي صلي الله عليه وسلم كيف يتحول الحرف القرآني إلى نبض يسري في العروق وصبر جميل يواجه به عواصف الحياة، فكان صلي الله عليه وسلم يقوم الليل بالآية الواحدة يرددها و يتدبرها حتى تفيض عيناه ويطمئن قلبه، معلماً أمته أن القرآن ليس مجرد كلمات للتلاوة بل هو ملاذ آمن عند اشتداد الخطوب، و محراب تزكية تُصقل فيه المعادن البشرية لتخرج من ضيق الدنيا إلى سعة طاعة الله ورحابة الإيمان.
ويتجلى هذا الربط الوثيق بين الكتاب والسنة في أبهى صوره حين يهل علينا شهر رمضان المبارك، ذلك الزمان الذي شرفه الله بجعله ظرفاً لنزول القرآن، فصار الشهر والقرآن توأمين لا يفترقان في وجدان المؤمن، وفي رمضان تبرز السنة النبوية لتعمق صلتنا بالوحي؛ إذ كان جبريل عليه السلام يدارس النبي صلي الله عليه وسلم القرآن في كل ليلة من رمضان، وهذا المشهد النبوي العظيم يعلمنا أن رمضان هو “مدرسة التزكية الكبرى” التي تلتقي فيها بركة الصيام بروحانية القيام، فيصبح الصوم تطهيراً للبدن ويصبح القرآن غسلاً للروح من أدران الدنيا، وإن المتأمل في حال النبي عليه افضل السلام وصحابته الكرام يجد أنهم كانوا يستقبلون رمضان كفرصة استثنائية لإعادة بناء صلتهم بالخالق عبر تدبر كلامه، فتنكسر حدة الدنيا في قلوبهم وتذوب الهموم أمام فيض الوعود الربانية، ليخرج المؤمن من هذا الشهر وقد تزكت نفسه و ارتقت أخلاقه و تجددت طاقته لمواجهة مكابد الحياة بقلب موصول بالسماء، مستمداً من هدي السنة النبوية كيف يجعل من آيات الكتاب شفاءً لما في الصدر ونوراً يضيء له ظلمات الحيرة والشتات، ليبقى القرآن والسنة معاً هما النبراس الذي لا ينطفئ في ليل الحياة الطويل
*الكاتب محام بالنقض وخبير حقوقي
شبكة عالم جديد الإخبارية عالم جديد..موقع ينقل المعلومة والخبر من كل مكان في العالم وينشر المعرفة والإبداع