الخميس , 26 فبراير , 2026
أخبار عاجلة

أحمد نصر يكتب:مناورة الـ 150 يوماً.. ترامب يستنفد “السقف القانوني” للرسوم

ترامب يستنفد “السقف القانوني” للرسوم

لم يكد العالم يلتقط أنفاسه بعد صدور حكم المحكمة العليا الأمريكية الذي كبح جماح التوسع في فرض الضرائب الجمركية من قبل البيت الأبيض، حتى باغت الرئيس دونالد ترامب الأسواق العالمية بضربة ارتدادية أكثر عنفاً وواقعية. ففي تحرك دراماتيكي يعكس إصرار الإدارة الأمريكية على فرض منهج القيود التجارية المشددة بأي ثمن، أعلن ترامب رفع الرسوم الجمركية إلى حدها الأقصى بنسبة 15%، مستنداً إلى “المادة 122” من قانون التجارة لعام 1974. هذه الخطوة لم تكن مجرد رد فعل غاضب، بل كانت استراتيجية ضغط صُممت خصيصاً لتجاوز العقبات القضائية عبر ربط الرسوم بـ “عجز ميزان المدفوعات” ولمدة زمنية محددة بـ 150 يوماً، مما يضع العالم أمام واقع جديد من الانغلاق الاقتصادي الذي لا يمكن للمحاكم إيقافه بسهولة.
هذا التصعيد السريع، الذي قفز بالرسوم من 10% إلى 15% في غضون أربع وعشرين ساعة فقط، أحدث حالة من الاستنفار القصوى في العواصم الكبرى التي رأت في هذه المناورة إعلاناً صريحاً عن مرحلة “كسر العظم”. ففي بكين، لم تتأخر وزارة الخارجية الصينية في وصف القرار بأنه نموذج صارخ للتنمر الاقتصادي الذي يضرب عرض الحائط بقواعد التجارة الدولية، مؤكدة أن التنين الصيني لن يقف مكتوف الأيدي أمام محاولات تقويض سلاسل التوريد الخاصة به، بل سيشرع في تفعيل إجراءات مضادة وقوية لحماية مصالحه الحيوية، معتبرة أن سياسة التضييق التجاري هذه لن تؤدي إلا إلى انتحار اقتصادي جماعي وزعزعة استقرار الأسواق المترنحة أصلاً.
وعلى الضفة الأخرى من الأطلسي، سادت حالة من الغضب المكتوم في أروقة المفوضية الأوروبية ببروكسل، حيث تعالت الأصوات بضرورة الرد بحزم لحماية الصناعات الأوروبية من الانعكاسات الكارثية لهذه الرسوم. وذهبت باريس إلى أبعد من ذلك بدعوة دول الاتحاد لتبني موقف موحد وصلب، مشيرة إلى أن التلويح بسلاح الرسوم الجمركية يجب أن يُقابل بمعاملة بالمثل تضمن التوازن الاقتصادي، وهو ما يعزز المخاوف الواقعية من دخول القوى العظمى في دوامة من “العين بالعين” التي قد تؤدي في نهاية المطاف إلى انكماش التجارة الدولية وارتفاع جنوني في معدلات التضخم العالمي نتيجة عزل السوق الأمريكية عن المنافسة الخارجية.
أما في الجوار الشمالي، فقد أعربت أوتاوا عن خيبة أمل عميقة تجاه هذا القرار الذي وصفته بالـ “غير مبرر”، خاصة وأنه يأتي في وقت كان يأمل فيه الشركاء التجاريون في العودة إلى لغة الحوار بدلاً من سياسة الإملاءات. وأشارت الحكومة الكندية إلى أنها بصدد مراجعة خياراتها الاستراتيجية لتقليل الارتهان للسوق الأمريكية التي باتت تتسم بعدم اليقين القانوني والسياسي. وبالمثل، جاءت التحذيرات من القوى الاقتصادية الناشئة في أمريكا اللاتينية، لتؤكد أن السيادة الاقتصادية للدول لن تكون رهينة لقرارات إدارية مؤقتة تهدف للضغط في المفاوضات التجارية المتعثرة.
إن لجوء الإدارة الأمريكية لنسبة الـ 15% تحديداً هو استنفاد كامل للصلاحيات الممنوحة للرئيس بموجب القانون، وهي فترة يراها البيت الأبيض كافية لليّ ذراع الخصوم وانتزاع تنازلات كبرى قبل انقضاء مهلة الـ 150 يوماً. وبينما تستعد بقية دول العالم لخوض معركة قانونية واقتصادية طويلة النفس، يبقى السؤال الحقيقي الذي يطرحه الشارع والأسواق على حد سواء: هل تنجح هذه المناورة السياسية في تحقيق أهدافها، أم أن فاتورة التضخم التي سيدفعها المستهلك الأمريكي ستكون المسمار الأخير في نعش سياسات الانعزال التجاري هذه؟

*الكاتب محام بالنقض وخبير حقوقي