السبت , 4 أبريل , 2026
أخبار عاجلة

الدكتور محمود زايد يكتب: عمر حبيب .. مؤسس المحكمة العليا للثورة وأول رؤسائها

القاضي الكوردي عمر حبيب مؤسس محكمة الثورة مناضل ضحى بكل غال ورافق الزعيم ملا مصطفى بارزاني دفاعا عن مشروعية القضية الكردية 

الدكتور محمود زايد

مع حلول كل ذكرى وطنية أو سياسية اعتدنا أن يتصدر المشهد الحديث عن القادة السياسيين والعسكريين المرتبطين بهذا الحدث أو تلك المناسبة، وهذا أمر مطلوب ومهم لتعريف بحجم التضحيات التي قدمها هؤلاء في سبيل الحرية والكرامة الإنسانية. لكن من المهم أيضًا ألا نغفل جنودًا آخرين في الحدث ذاته لهم من الجهود والتضحيات ما يستحق أن تكتب بماء الذهب، ويستحقوا أن يُقدموا كقدوة حسنة للأجيال الحالية والمستقبلية للاقتفاء بأثرهم وانتهاج نهجهم الوطني والإنساني.

وفي هذا الباب، وبمناسبة حلول الذكرى السادسة والخمسين لاتفاقية آذار 1970م التي عقدت بين حكومة بغداد وكرد العراق بقيادة الزعيم الكردي الكبير ملا مصطفى البارزاني، نستذكر حياة وجهود مناضل كردي كبير يدعى «عمر حبيب»، الذي ضحى بكل غال ونفيس، ووضع روحه على يديه جانبًا إلى جنب مع ملا مصطفى البارزاني؛ لأجل عدالة ومشروعية القضية الكردية في وقت كانت تمر فيه بظروف عصيبة كفيلة بأن تقضي عليها لولا جسارة وصمود الكرد ضد عواصف الرياح الداخلية والإقليمية والدولية.

لقد كان القاضي «عمر حبيب» أو “الحاكم” كما يُطلَق على القضاة في المجتمع الكردي والعراقي، نموذجًا كرديًّا ناصعًا في سماء العدالة. وُلِدَ سنة 1923م في مدينة «كويسنجق» التي اشتهرت بالثقافة والفكر، وهي تابعة لمحافظة أربيل عاصمة إقليم كردستان العراق حاليًا، نشأ في أسرة وطنية ودينية متعلمة راجحة الفكر، ذات قيمة اجتماعية، مؤمنة بحقوقها الوطنية والقومية، مُسهِمَة بما تمتلكه من قدرات لتحقيق هذه الطموحات وتلك التطلعات.

كان قدره أن ينشأ في مكان وزمان ملتهب غير مستقر، وفي قومٍ منزوع حقهم، مغدور بمشروعيتهم من قِبَلِ أنظمة مستبدة وظالمة، لم ترَ إلا نفسها سيدةً، وما عاداها مجرد خدم وعبيد. وهو ما دعاه إلى الانخراط في الانتفاضات الشعبية الكردية، غير متقبل حياة الظلم والقهر، وأعدَّ نفسه لبنة في المنظومة التحررية، ومعولَ هدمٍ لأركان الاستبداد والتسلط الذي يعاني منه مجتمعه ومحيطه الكردي في القرن العشرين.

أتمَّ عمر حبيب دراسته الابتدائية والمتوسطة في كويسنجق بين أقرانه الكُرد، حصل على الثانوية في مدينة كركوك التي كانت تضم بجانب مواطنيها الكرد بعض العرب والتركمان وغيرهم، وبالتالي كانت فرصة للاحتكاك بالتنوع القومي والمعرفي واللغوي، وهو ما أصقلَه ثقافيًّا ومعرفيًّا، ووسّع دائرة علاقاته إلى خارج الكرد إثنيًّا وعرقيًّا، وأدرك أن الظلم الذي يعاني منه الكرد ممتدٌ إلى غيره من المكونات الأخرى، وهو ما أقنعه بضرورة تكاتف الجهود للخروج من هذا الوضع المزري، والذي أودى بتأخر العراق سياسيًّا واقتصاديًّا وتعليميًّا ودينيًّا.

في ضوء ذلك، قرر عمر حبيب دراسة القانون في بغداد ذات الرواج المعرفي والعِرقي والديني والمذهبي، فالتحق بكلية الحقوق – جامعة بغداد سنة 1943م وتخرج فيها سنة 1947م حاصلاً على البكالوريوس في القانون.

أربع سنوات كانت فارقة في حياة الشاب عمر حبيب، اتسعت فيها معارفه العلمية والقومية والسياسية بشكل أكبر مما سبق، إذ كان له نشاطٌ سياسيٌّ قوميٌّ كبيرٌ؛ بكونه عضوًا نشطًا في حزبي «شورش» و«هيوا» قبل تأسيس الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي صار عضوًا فيها منذ تأسيسه سنة 1946م، وعُيّنَ أول مسؤول للجنة المحلية للحزب في كويسنجق، ورُقّيَ بعد ذلك إلى مناصب أعلى، منها: أنه أصبح عضو احتياط للجنة المركزية للحزب الديمقراطي الكردستاني خلال مؤتمري الحزب الثاني عام 1951م والثالث عام 1953م.

كما شهد عمر حبيب خلال سنوات دراسته القانون في بغداد اندلاع الثورات البارزانية بقيادة ملا مصطفى، وعدم التزام الحكومات العراقية وبريطانيا بالاتفاقيات المبرمة مع البارزانيين، وقيام جمهورية كردستان وعاصمتها مهاباد برئاسة قاضي محمد عام 1946م، واضطرار ملا مصطفى ورفاقه للهجرة إلى الاتحاد السوفيتي، بعد تكاتف القوى المحلية والإقليمية والدولية على القضاء على حق الشعب الكردي في وطنه المستقل، إذ لم تعش جمهورية كردستان سوى أحد عشر شهرًا.

وخلال دراسته القانون في بغداد، اطلع عمر حبيب على القوانين المحلية والدولية، ورأى كيف أن الشعوب الأخرى استقرت وتقدمت حينما اُحتُرِمت القوانين في بلادها، وطبقت العدالة والمساوة بين جميع مكوناتها، حيث لا فرق بين حاكم أو محكوم؛ فآمن مع غيره من الراجحين فكرًا وعقلاً بغض النظر عن قوميتهم أو دينهم أو مذهبهم، بضرورة تحقيق العدالة المجتمعية، وإيجاد قانون عادل يحفظ حقوق الجميع ويحقق طموحاتهم وتطلعاتهم، ومنها حقوق الكرد الوطنية والقومية.

بعد تخرجه عمل عمر حبيب محاميًا في العديد من المدن، منها أربيل وكويسنجق والسليمانية، وفي العديد من محاكم العراق. وقال عنه معاصروه إنه كان محاميًّا ناجحًا؛ فكسب احترام وتقدير زملائه والمختلطين به.

في الثاني من نوفمبر 1952م صار عمر حبيب معاونًا للتسوية في ﭽمـﭽمال، وبقي فيها حتى نهاية 1958م، أي بعد القضاء على الملكية في العراق بنحو خمسة أشهر، ونجاح ثورة 14 تموز التي تكاتف فيها الكرد مع عرب العراق، ودعمتها مصر آنذاك، الأمر الذي سمح لملا مصطفى أن يعود إلى العراق بعدما مرّ بمصر وقابل الرئيس جمال عبدالناصر في أكتوبر 1958م، وعاد النشاط السياسي الكردي في العراق وفق ما اتفق عليه النظام العراقي الجديد بقيادة عبدالكريم قاسم مع الكرد بقيادة ملا مصطفى باحترام الحقوق القومية للكرد دستوريًّا، لكن سرعان ما أخلَّ قاسم باتفاقه معهم ومع مصر، مما أدى إلى اندلاع ثورة أيلول 1961م من جانب، وتأزم العلاقات العراقية مع مصر من جانب آخر.

في ظل تأزم علاقة الكرد مع حكومة عبدالكريم قاسم وقبيل اندلاع ثورة أيلول عُيّن عمر حبيب قاضيًا في «بنـﭽوين» في أول يناير 1959م، ثم في السليمانية، وبعدها في «قلعةدزه».

التحق عمر حبيب بثورة أيلول منذ اندلاعها، فكان أول قاضٍ يلتحق بالثورة مما جعل له مكانة كبيرة في وجدان الثوار وقائدهم ملا مصطفى الذي كلفه بتشكيل «المحكمة العليا للثورة»، التي تعدُّ بمثابة «محكمة التمييز»، وكان أول رئيس لهذه المحكمة في المناطق المحررة من قِبَلِ الثورة، وتحديدًا في منطقة «ماوت» التابعة للسليمانية.

في أثناء حالة الانشقاق الجزئي في جبهة ثورة أيلول عام 1964م أُبعِد القاضي عمر حبيب إلى جنوب العراق في محكمة العباسية في قضاء النجف الأشرف، ثم إلى مدينة «عفك» التابعة لمحافظة الديوانية، ثم عاد إلى موطن ولادته مرة أخرى «كويسنجق»، ثم إلى «رواندوز»، ثم يعود إلى محكمة كويسنجق مرة أخرى.

وبعد اتفاق مارس/آذار 1970 عمل عمر حبيب قاضيًا في محاكم دهوك بين عامي 1971-1973م، بعدها نُقِلَ إلى أربيل نائبًا لرئيس محكمة جنايات أربيل حتى وفاته سنة 1976م.

كان قَدَرُ القاضي عمر حبيب أن يعيش في عدة مراحل تاريخية ساخنة مريرة شهدها تاريخ العراق والشعب الكردي في القرن العشرين، حيث شهدت هذه المراحل أحداثًا وتغييرات مفصلية سياسيًّا واقتصاديًّا ومجتمعيًّا، وكان فيها من الأخطار ما يجعل البعض ينئ بنفسه مغلقًا عليه بابه، أو مهاجرًا إلى بلد آخر كما فعل كثيرون. لكن القاضي عمر حبيب عهد على نفسه طيلة حياته العملية، وفي ظل نشاطه السياسي، أن يبقى في بلده، مُضَحِيًا بسنين عمره لأجل مبادئه وطموحات شعبه القومية رغم اعتقاله عدة مرات من قبل السلطات العراقية بسبب نشاطه في الحركة التحررية الكردية. مع ذلك بقي عمر حبيب ملتزمًا في مهام عمله بإقرار العدل، واحترام القانون، والإخلاص فيما آمن به من حقوق قومية ومبادئ إنسانية استلهمها من نشأته الأسرية والعائلية، وتعليمه، ونشاطه السياسي في الحزب الديمقراطي الكردستاني تحت راية وزعامة ملا مصطفى البارزاني.

لذلك كان محلَّ تقدير من الجميع، وكان شخصًا محبوبًا في مجتمعه وفي أماكن عمله المختلفة التي امتدت من جنوب العراق إلى شمالي إقليم كردستان. ولم يؤثر عليه نشاطه السياسي الكبير ومكانته الحزبية العالية أن يحيد عن القانون، ولا أن ينجرف إلى الميل والهوى.

رحل أول رئيس لمحكمة الثورة تاركًا تاريخًا كبيرًا من النضال والتضحية، مُلهِمًا وقدوةً حسنةً في مجال العدالة والقانون، وكأن نتائج أعماله تقول: ما أحوج مجتمعاتنا إلى الآلاف من أمثال القاضي عمر حبيب لتعلو العدالة على من سواها، ويستقر المجتمع، ويزدهر قاطنوه مهما اختلفت جنسياتهم أو تنوعت أديانهم ومذاهبهم.

رحل الأب والقاضي عمر حبيب منجبًا من الأولاد ستة (أربع بنات وولدان)، منهم شيروان و شيركو، اللذين سارا على درب والدهما، درس الأول القانون وخاض الثاني في دراسة العلوم السياسية و زاول العمل الصحفي والسياسي، متسنمًا عدة مهام كبرى داخل وخارج إقليم كردستان، آخرها ممثلاً للحزب الديمقراطي الكردستاني في القاهرة منذ ثمان سنوات مضت، نجح فيها أن يحقق نتائج إيجابية تقدمية طيبة في إطار توطيد العلاقات بين الشعبين الكردي والمصري.

*الكاتب أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر بجامعة الأزهر وخبير بشؤون الشرق الأوسط