فجر هذا اليوم، ترک لحظات مثقلة بجرحٌ عميقٌ في جسدَ أمةٍ لا تزال تنزف دماءً من جراحات القرن الماضي التي لم تندمل بعد.
في صبیحة الیوم ، استُشهد ستة بيشمركة أبطال من هذا الوطن، فيما لا يزال ثلاثون شاباً من رفاقَ سلاحهم يتألمون من جراحٍ تقطر دماً. ستة وثلاثون من حُماة الوطن قدَّموا أرواحهم معاً قرباناً لعدوانٍ أثيم لامسوّغ و لا مبرر له، لا لأنهم كانوا في میدان المعركة وجهاً لوجه مع العدو، بل لأنهم كانوا منهمكين في صون كرامة شعبٍ وأرضٍ لم یعتدِ قط على أحد… بل دوما اعتُدي عليهما.
لم يكن هدف صواريخ هذا الصباح ضربَ موقعٍ عسكري، بل استهداف أمان كوردستان، وكان مرامهم قياسَ ثمن الدم الكردي في ميزان الضمير والمصالح الدولية.
شهداء الفجر وضمير العالم النائم
عادت أجساد الشهداء إلى أحضان الوطن الدافئة، فتخطت أسماؤهم وذكراهم حدود الالم و ارتقت السماوات العُلى… ارفع ڕأسک وأنصت: ستری و تسمع کیف تحولت تساؤلاتهم وتظلماتهم إلى بروقٍ و ڕعود غيومٍ داكنة و أمطار کأنها صرخاتٍ تنادي: أين ینام ضمير هذا العالم؟
إلى متى يمكنكم الاختباء وراء هذا الصمت المخزي ؟ كأن خبر إراقة دم الانسان الكوردي ظلماً، ليس الا مجرد فاصل اعلاني ؟! كل قطرة دمٍ أُريقت هذا الصباح هي وصمةٌ عار أخلاقية في جباه الجبناء الأثمين، فالصمتُ المُخجل للعالم الإسلامي والدولي أشدّ إيلاماً من تلك الصواريخ الست الظالمة.
قصف وطنٍ بريء
أيُّ منطق وأخلاق أو ضمير، أي دين أوإيمان يُجيز لدولةٍ محاربة أن تجعل من أرضٍ وشعبٍ لا ناقة لە ولا جمل في حرب لم ولن يُشارك فيها ولا يدّعي شراكةً فيها؛هدفاً لصواريخها الباليستية؟ شعبا كان دوماً ضحيةً للحروب وعاملَ سلامٍ وتعايش؟ ألا اذا کان جرم الكورد الوحيد هو رغبتنا في العيش بسلام على أرضنا ومائنا ؟ هذا الذي يجري ليس إلا عدواناً سافراً يتخطى کل انواع الأخلاقيات وقواعد الحرب وأعرافها.
صمت العراق والمجتمع الدولي أمام هدر دم البيشمركة
في السنوات التي وقف فيها البيشمركة ببسالة في مواجهة أشد التنظيمات الإرهابية رعباً في العالم، و رسموا بأرواحهم ودمائهم خطَّ الدفاع الأول، لا دفاعا عن الكورد وكردستان وحسب، بل صونا لكرامة شعوب العراق والمنطقة والعالم.. في تلك الأيام التي كان البيشمركة فيها یمنحون أنهاراً من الدماء الزکیة دفاعاً عن عزة العراق، أين كانت الحكومة العراقية و ساستها ؟
كثيرون انهزموا جبناً ترکوا الميدان للعدوان. كثيرون آثروا الصمت وخرسوا أو ألقوا بخطب ناریة من على شاشات التلفزيون بينما يقطعون في الخفاء رواتب وميزانية كوردستان! واليوم نعیش الحال نفسه! الا يعدّ هذا الشعب وهذه الأرض جزءاً من مسؤولية الدولة العراقية بحسب الدستور ؟!
فبینما الكورد تسیل منهم الدماء وتزهق اروحهم ، نری سواق الصهاریج وبائعو السبحات یهددوننا بهز أصابعهم المتخمة بالخواتم الفضیة. والعالم الإسلامي والدولي صامتان صمتاً مُثيراً للريبة، صمتٌ یحمل في جوفە الإثم والجريمة!
ومع كل جراحنا القديمة، جاء هذا الجرح ليُضاف إلى ما سبق. قد يستطيع العدو الحاقد قصفنا في كل مكان إلا مكاناً واحداً لا يُقصف؛ مكانٌ في حصنٍ منيع، يكمن في أعماق أرواحنا، وفيه تتحصّن عزة وإرادة الإنسان الكوردي آلاف السنين ، وما ادراک ما عزة الکوردي !
منذ مئات السنين، تحترق أكباد امهاتنا وتنكسر قلوب آبائنا وتشيب رؤوسهم ولحاهم بین لیلة و ضحاها. تکتسي عرائسنا السواد، و یحرم أطفالنا من الحنان والرعاية الابویة . يُحرقون أرضنا، يُسلطون علينا الطائرات والمدافع جواً وبراً، يُمطروننا بالنار والحديد. لكنهم لم يستطيعوا ولن يستطيعوا كسر عزتنا وكرامتنا وإرادتنا. ولهذا السبب بالذات لا نزال هنا صامدين! فيزداد حقد الحاقدین ويسودّ قلوبهم كل يوم!
كل صباح يرى فيه المحتل ، الكورد لا يزالون صامدين كجبال كردستان الشامخة، يدرك أن أحلام لياليه الغابرة كانت باطلة وعقيمة، فيطمئن مجدداً إلى حقارته ورذالته، وكأي سيكوباثي وسوسيوباثي يلجأ من جديد إلى العنف والاعتداء والتدمير وسفك الدماء.
إراقة الدم المقدس لشهدائنا اليوم ليست نهاية القصة، بل هي رسالة إلى العراق وإلى العالم أجمع: إما أن یتحركوا ویضعوا حداً لهذا الإرهاب العابر للحدود … أو أن يُعلنوا بصمتهم هذا، شراكتهم في هذه الجريمة. ففي لحظة کهذه ، الصمت ليس موقفاً… بل هو جريمة بحقنا ، ولن ننساه.
شبكة عالم جديد الإخبارية عالم جديد..موقع ينقل المعلومة والخبر من كل مكان في العالم وينشر المعرفة والإبداع