الأحد , 26 يوليو , 2026
أخبار عاجلة

فقه المعارضة وفلسفتها في الشرق الأوسط

أ. د محمود زايد

تختلف نوعيات المعارضة وأداءاتها وأهدافها من أمة لأخرى ومن نظام لآخر، فالأمر يتعلق بمدى ثقافة ووطنية حاملي لواء هذه المعارضة، ومدى حرصها على إيجاد برامج بديلة وواقعية لحياة كريمة لأبناء الأمة، وبناء مجتمع مستقر ومتكامل، وخلق مستقبل زاهر.

 

فالأساس ليس في “الأنا” التي تتربع على سدة العرش وتتحكم في مصير المواطن، وإنما في نتاج الخطط والبرامج التي تعود على حياة المواطن بالإيجاب ويتلمس ثمارها في تحركاته اليومية والمعيشية.

 

وهي حالة بلا شك تقوي شعور الولاء والانتماء، وتشجع على الحفاظ على الوطن والعطاء له أكثر، ولا يعاني مواطنوه من لعنات الدونية أمام المقارنة مع الأمم المتقدمة، وتعود الفائدة على الجميع بداية من كيان الوطن وهويته إلى أصغر كائن حي فيه.

 

ما سبق ليس بمنأى عن عدد من المجتمعات والدول المتقدمة وأنصاف المتقدمة في العالم، لكنه بالنسبة لنا لا يعدو حتى الآن سوى أحلام وطموحات نروم إليها في مجتمعاتنا الشرق أوسطية، لأن ما يسمى بمعارضة في بعض بلداننا – إن كان هناك مجال للمعارضة – لا نرى منها إلا شعارات جوفاء، وخطب الهدم، واتهامات للسلطة بالسلب والنهب، مع أن ما يَـتهم به بعضُ المعارضين غيرَهم هو أصل فيهم، بل ربما يتنافسون معهم بليل ومن تحت الطاولة للحصول على نسب أكبر من مقدرات الوطن وثروات شعبه.

 

بل الأعجب من ذلك، أننا تابعنا في إحدى بلدان منطقتنا في فترة ما معارضةً لا مثيلاً لها في العالم، حيث كان رموزها وقادتها في النهار من رجال السلطة والحكومة، وبالليل هم أنفسهم على شاشات الفضائيات يمثلون المعارضة ونقد أداء الحكومة التي هم بعض حقائبها وأركانها!

 

في التجربة الهندية، سئل جواهر لا نهرو (1889-1964م)، أول رئيس وزراء للهند بعد استقلالها وحتى وفاته عام 1964م – عن انطباعاته الشخصية وهو يمارس السلطة وتجربته في المعارضة التي كان يومًا أحد أقطابها، فأجاب بكلام مهم جدًّا يعبر عما تعاني منها بعض بلدان منطقتنا.

قال: «مهمة المعارضة سهلة للغاية، بحيث لا تعدو سوى ممارسة النقد والمناداة بما يثير الجمهور، وهو أمر لا يكلف الكثير. ولكن عندما تسلمت السلطة وجرت أمامي أعقد القضايا وأصعب المهمات، وصرت أواجه أكبر المشكلات تطالبني بحلول سريعة، والمسألة أحيانا تكون أبعد كثيرًا من التمنيات السهلة وأعقد من إمكانات أي معالجات سريعة.. حينها كنت أود أن أعود إلى صفوف المعارضة، فهي لم تتطلب مني غير الكلام.. الكلام بصوت عال».

في السياق نفسه، أي في التجربة الهندية أيضًا، طبقت رئيسة الوزراء الهندية أنديرا غاندي (1917-1984م) عمليًّا أسمى غايات المعارضة والسلطة لصالح الوطن وأبنائه، فبعد هيمنة حزبها – حزب المؤتمر الوطني الهندي – على الحكم لنحو ثلاثين سنة (1947-1977م)، خسر في المرحلة الأولى من انتخابات عام 1977م أمام حزب جانتا المعارض،

وبعد إعلان نتائج الانتخابات احتشد عدد كبير من الصحفيين والإعلاميين وأمطروها بأسئلة عن شعورها بعد أن مني حزبها بخسارة كبيرة بعد سنوات من الهيمنة على مقدرات الهند. أجابتهم “أنديرا” بابتسامتها المعهودة وروح أم المواطنين:

«يا أولادي الأعزاء. السلطة والمعارضة وجهان لعملة واحدة، فكلانا نعمل من أجل الهند، وأتمنى أن ينجح خصمي في خدمة وطني وفق برنامجه الانتخابي الذي لاقى الاستحسان من أبناء شعبي».

أكاد أجزم أن ازدياد مؤشرات الخطر في واقع ومستقبل منطقتنا تتحمله ما تسمي نفسها معارضة بالقدر الذي تتحمله السلطة المقصرة في مهامها وواجباتها، فكلاهما في المسؤولية سواء، لأنهما وجهان لعملة واحدة فعلاً، لكنها عملة غير التي قصدتها أنديرا غاندي.

تبقى المعارضة (هدّامة كانت أم كارتونية) وسدنتها في خطر ما دامت تتحكم فيها كلاليب النفعية والانتهازية دون برامج حقيقية بناءة تضيف للوطن ولا تخصم منه. وهذه حالة لابد أن يتوفر لها قدر عالٍ من الثقافة والإخلاص والوطنية والكفاءة، فبدون هذه الرباعية ستبقى الانتهازية والهدم والبرجماتية وعدم الولاء وصمات تفت في عضد المعارضة في مجتمعاتنا، وتظل السلطة مهيمنة متمكنة لا تجد من تخاف منه، ولا تنافسها برامج تلقى استحسانًا وقبول من الشعب.