حكيم جماعين
ثمة معارض لا تكتفي بإعادة ترتيب ما نعرفه عن تاريخ الفن، وإنما تدفعنا إلى مراجعة ما ظنناه مستقرا فيه. ومعرض «حكاية تشكيلية لم تكتمل» لرعاية الله حلمي بجاليري حامد ندا بالزمالك، ينتمي إلى هذا النوع من الاستعادات التي تتجاوز التوثيق إلى مساءلة الذاكرة الفنية ذاتها.

فالمسألة هنا ليست في العثور على اسم غاب طويلًا عن المشهد، وإنما في اكتشاف أن وراء هذا الاسم تجربة فنية متعددة الوسائط، ذات تكوين أكاديمي راسخ، وحساسية واضحة تجاه الجسد والكتلة والبورتريه والضوء، وأن رعاية الله حلمي لم تكن تمارس الرسم بوصفه مجالها الوحيد، بل كانت نحاتة بالمعنى العميق للكلمة، حتى حين تتعامل مع سطح اللوحة.
وهذه النقطة تبدو لي مدخلًا أساسيا لإعادة قراءة تجربتها.
فإذا كانت الأعمال المتاحة محدودة زمنيا وكمّيا، فإنها مع ذلك تكشف عن وعي تشكيلي متماسك، وعن فنانة كانت تمتلك الأدوات التي تسمح لها بالدخول في حوار حقيقي مع أسئلة عصرها الجمالية.

النحاتة التي كانت ترى في الرسم كتلة
اختيار رعاية الله حلمي للنحت كتخصص ليس تفصيلًا عابرا في سيرتها. فالنحت يفرض على الفنان طريقة مختلفة في النظر إلى العالم إنه لا يرى الأشياء من خلال سطحها فقط، بل من خلال حجمها، وثقلها، وتوازنها، وعلاقتها بالفراغ.
وهذا الحس يبدو حاضرا في الأعمال التي يضمها المعرض، حتى حين تكون اللوحة هي الوسيط.
في البورتريهات، على سبيل المثال، لا يبدو الوجه مجرد مساحة لتسجيل الملامح، بل بناءً من مستويات وضغوط ضوئية وكتل متجاورة. الضوء لا يقوم بوظيفة زخرفية، وإنما يساهم في تشكيل الحجم وإبرازه. أما الجسد، فيُقرأ بوصفه بنية قبل أن يكون موضوعا. وهنا تتجلى قيمة الخلفية النحتية.
إن رعاية الله حلمي لا تبدو وكأنها ترسم الجسد من الخارج إنها تحاول أن تفكر فيه من الداخل، أن تفهم كيف يتكون، وكيف يحمل نفسه، وكيف يتحول الحجم إلى شخصية.
وهذا ما يمنح أعمالها صلة وثيقة بالتقاليد الأكاديمية، دون أن يجعلها أسيرة لها بالضرورة.
الأكاديمية بوصفها معرفة لا عقيدة
قد تكون كلمة «أكاديمية» محملة، في الخطاب النقدي المعاصر، بدلالة سلبية أحيانا، وكأن الالتزام بالتشريح والنسب ودراسة الطبيعة يعني الوقوف خارج التحولات الحديثة. لكن هذا التصور يحتاج إلى مراجعة، خصوصا عند قراءة تجارب فنانين وفنانات من أجيال التأسيس. الأكاديمية، في تجربة رعاية الله حلمي، تبدو أقرب إلى أداة معرفية. العناية بالتشريح تعني معرفة بالبنية، والاهتمام بالضوء يعني وعيا بالحجم، والانتباه إلى النسب يعني فهما للعلاقات الداخلية التي تجعل الجسد مقنعا بصريا.
ومن هنا فإن دراسة الجسد العاري تكتسب أهمية خاصة.
فالجسد العاري في التقليد الأكاديمي هو في جوهره مختبر للفنان: اختبار للقدرة على فهم الحركة، والوزن، والتوازن، والتشريح، والإيقاع، والعلاقة بين الأجزاء والكل.
لكن ما يهم في تجربة رعاية الله حلمي هو أن هذه المعرفة لم تبقَ تمرينا تقنيا محضا لقد تحولت إلى طريقة في النظر.
إنها ترى الإنسان بوصفه بنية تشكيلية ونفسية في آن.
البورتريه: حين يصبح الوجه أكثر من ملامح
يحتل البورتريه مكانة لافتة في الأعمال المعروضة، وتبدو العناية بملامح الوجه واحدة من أكثر السمات دلالة على طبيعة الحساسية الفنية لدى رعاية الله حلمي.

لكن قيمة البورتريه لا تكمن في مدى مطابقة الصورة لصاحبها فقط. البورتريه الجيد يبدأ من التشابه، ثم يحاول تجاوزه.
فالوجه ليس مجموعة من الأنف والعينين والفم إنه فضاء تتقاطع فيه الهوية والذاكرة والانفعال والزمن.
ومن هنا تبدو معالجة رعاية الله حلمي للوجوه ذات أهمية خاصة إذ تكشف عن رغبة في القبض على حضور الشخص، لا مجرد هيئته.
وهذا يضع أعمالها في منطقة وسطى بين الدراسة الأكاديمية والتأمل الإنساني. فهي تبدأ من المعرفة التشريحية، لكنها لا تنتهي عندها.
من المشهد الجماعي إلى الإنسان المفرد
تختلف حساسية رعاية الله حلمي بوضوح عن الاتجاهات التي تجعل المشهد الشعبي والجماعة والمجتمع موضوعا مركزيا في العمل التشكيلي، إنها أكثر اقترابا من الفرد.
الوجه، والجسد، والشخصية المفردة، والعلاقة بين الشكل والضوء كلها تشير إلى اهتمام بالإنسان في حضوره الخاص.
وهذا الاختيار ليس محايدا جماليا.

فالانتقال من الجماعة إلى الفرد يعني الانتقال من سؤال المجتمع بوصفه مشهدا إلى سؤال الإنسان بوصفه وجودا.
وهنا تكتسب النحتية في تجربتها أهمية إضافية فالنحت بطبيعته يعزل الجسد في الفضاء، ويمنحه حضورا مستقلًا، ويجعل من الفرد موضوعا قائما بذاته. ربما لهذا يبدو الإنسان في أعمال رعاية الله حلمي أقل ارتباطا بالحكاية وأكثر ارتباطا بالوجود.
المرأة والفن:
تنتمي رعاية الله حلمي إلى جيل من النساء اللواتي دخلن مجال دراسة الفنون في مرحلة كانت فيها مشاركة المرأة في التعليم الفني العالي تتشكل تدريجيا.
وهذه النقطة لا ينبغي أن تُستخدم باعتبارها خلفية تاريخية فحسب فهي جزء من تفسير المسار نفسه.
فالعبور إلى المؤسسة التعليمية لا يعني بالضرورة امتلاك الشروط اللازمة للاستمرار في المهنة الفنية.
بعد زواجها من بدر الدين أبو غازي عام 1950، واجهت صعوبة الجمع بين الأسرة والعمل والتفرغ للفن، فانحسرت ممارستها الفنية في النصف الثاني من الخمسينيات، بينما واصلت التدريس حتى تقاعدها عام 1979.
هذه السيرة تكشف عن مسألة أوسع من الاختيار الشخصي: من يملك الوقت ليكون فنانا؟
السؤال يبدو بسيطا، لكنه في الحقيقة من أكثر أسئلة تاريخ الفن أهمية.
فالفن يحتاج إلى زمن لا يقل عن حاجته إلى الموهبة. يحتاج إلى ساعات طويلة في المرسم، وإلى التجريب، وإلى القدرة على المخاطرة، وإلى التراكم.
وحين تضطر الفنانة إلى توزيع زمنها بين مسؤوليات متعددة، فإن ما يتأثر ليس عدد الأعمال فقط، بل المسار الداخلي للغة الفنية.
لهذا فإن تجربة رعاية الله حلمي تفتح نافذة على تاريخ اجتماعي للفن، حيث يصبح الزمن نفسه أحد شروط الإنتاج الجمالي.

رعاية الله حلمي: تعدد المسارات
تكتسب تجربة رعاية الله حلمي وضوحاً في التجربة التشكيلية النسوية، كما وإنها تكشف أن حضور المرأة في الفن المصري لم يكن له مسار واحد.
فمن الخطأ الحديث عن «الفنانة المصرية والعربية» كما لو كانت بنية جمالية موحدة.
هناك اختلاف في المرجعيات، وفي التكوين، وفي الموضوع، وفي علاقة الفنانة بالمؤسسة والمجتمع.
رعاية الله حلمي تبدو أكثر اهتماما بالبنية الداخلية للشكل، وبالبورتريه والجسد والكتلة والإضاءة، بينما يمكن قراءة أعمالها بوصفها بحثا في الإنسان المفرد أكثر من كونها تسجيلًا للحياة الجماعية.
وهذا التفرد مهم لأنه يعيد الفنانة إلى مكانها الطبيعي داخل تاريخ الفن: فنانة لها خصوصيتها، لا مجرد مثال على حضور النساء.
المفاجأة الجمالية للمعرض
لكن ربما تكون المفاجأة الكبرى التي يصنعها المعرض كامنة في شيء آخر: في أن رعاية الله حلمي، التي قد تُستقبل في البداية بوصفها فنانة مستعادة من الهامش، تظهر أمامنا من خلال الأعمال باعتبارها صاحبة عدة تقنيات تشكيلية واسعة.
نحن أمام نحاتة تعرف الرسم، ورسامة تفكر بمنطق النحت، وفنانة تتعامل مع الجسد بوصفه مادة للرؤية لا مجرد موضوع للتمثيل. وهذا يعيد ترتيب موقعها.
إن قيمة المعرض ليست في إثبات أنها فنانة كانت موجودة فحسب، وإنما في إظهار أن تجربتها تستحق أن تدخل النقاش الجمالي ذاته الذي ندخله مع تجارب أكثر حضورا في الذاكرة.
وهنا تحديدا يصبح المعرض حدثا مهما للحركة التشكيلية المصرية والعربية.
فهو يوسّع خريطة الأسماء، لكنه الأهم أنه يوسّع خريطة الأسئلة.

العودة إلى الرسم: ذاكرة اليد
تكتسب عودتها إلى الرسم في سنواتها الأخيرة دلالة خاصة. فاليد التي ابتعدت طويلًا عن الممارسة الفنية لا تعود إلى الورقة أو القماش بالذاكرة التقنية وحدها إنها تعود بخبرة الحياة. وهذا يجعل العودة فعلًا يتجاوز استئناف العمل.
إنها استعادة لعلاقة قديمة بين الذات ويدها.
بعد عقود من التدريس، وبعد سنوات من المسؤوليات، يعود الفن بوصفه مساحة شخصية لا تخضع بالضرورة لمنطق الوظيفة أو الواجب.
وهنا يصبح الرسم أقرب إلى ذاكرة حسية. فالخط يتذكر ما تعلمه الجسد، واليد تستعيد إيقاعا قديما، والصورة تصبح مساحة للقاء الذات بتاريخها.
ماذا يقول المعرض عن تاريخ الفن؟
تكمن القيمة البحثية الأهم في المعرض في أنه يضعنا أمام مشكلة أوسع من تجربة رعاية الله حلمي نفسها.
تاريخ الفن ليس مرآة محايدة لكل ما حدث. إنه نتاج عمليات اختيار، وتوثيق، ونشر، واقتناء، وكتابة نقدية، ومؤسسات، وذاكرة ثقافية.
ولهذا فإن ظهور تجربة مثل تجربة رعاية الله حلمي من جديد لا يعني ببساطة أن «فنانة منسية» عادت إلى الضوء بل يعني أن الصورة التي لدينا عن تاريخ التشكيل النسوي المصري والعربي قابلة للمراجعة.
كل استعادة حقيقية تضيف إلى التاريخ، لكنها في الوقت نفسه تكشف أن التاريخ السابق كان ناقصا في تمثيله. ومن هنا تأتي أهمية الأرشيف. فالعمل الفني ليس وحده ما يحتاج إلى الحفظ الأسماء، والسير، والصور، والمراسلات، وشهادات المعاصرين، ودفاتر الرسم، وكل ما يحيط بالعمل، كلها أجزاء من الذاكرة التي يتشكل منها تاريخ الفن.

رعاية الله حلمي بوصفها سؤالًا لا خاتمة
ربما ينبغي ألا نحاول إغلاق تجربة رعاية الله حلمي بحكم نهائي. الأعمال المتاحة تسمح لنا بقراءة دقيقة لبعض خصائصها: الحس الأكاديمي، المعرفة التشريحية، قوة حضور البورتريه، مركزية الجسد، التفكير في الكتلة، والعلاقة الحساسة بين الضوء والشكل.
لكنها لا تسمح لنا بادعاء معرفة الطريق الذي كان يمكن أن تسلكه تجربتها لو استمرت لسنوات أطول. وهنا تكمن مسؤولية النقد.
ليس مطلوبا أن نصنع أسطورة من الغياب، ولا أن نبالغ في تقدير ما لا يمكن إثباته بل المطلوب أن نقرأ الموجود بصرامة، وأن نعترف في الوقت نفسه بحدود ما نعرفه.
ومن هذه المسافة بين المعرفة والاحتمال تتشكل القيمة الحقيقية للمعرض.
خاتمة: استعادة الاسم وإعادة توزيع الضوء
تمنحنا رعاية الله حلمي فرصة نادرة للتفكير في تاريخ الفن من جهة أخرى: من جهة الفنان الذي لم يحظَ بمسار طويل، والمرأة التي امتلكت التكوين لكنها واجهت شروطا جعلت الاستمرار أكثر تعقيدا، والفنانة التي اختبرت النحت والرسم والتصوير، وظلت في أعمالها مشدودة إلى الجسد والبورتريه والكتلة.
وإذا كان معرض «حكاية تشكيلية لم تكتمل» يعيدها إلى الواجهة، فإن أهميته لا تتوقف عند استعادة اسم. إنه يعيد توزيع الضوء داخل المشهد.
فما كان يبدو هامشيا يمكن أن يكشف، عند النظر إليه من جديد، عن حساسية جمالية جديرة بالبحث، وما كان يبدو مجرد شذرات يمكن أن يفتح أسئلة حول تعليم الفنون، وموقع المرأة، والزمن الإبداعي، والأرشيف، وآليات تشكل الذاكرة الفنية.

رعاية الله حلمي، في هذا السياق، لا تستحق أن تُقرأ باعتبارها «فنانة توقفت»، بل باعتبارها فنانة تركت وراءها قدرا من الأدلة يكفي لإعادة طرح موقعها داخل تاريخ التشكيل المصري والعربي.
واللافت أن النحاتة التي انشغلت بالكتلة والجسد والبورتريه تبدو اليوم وكأنها تعود إلينا من خلال شيء يشبه نحت الذاكرة نفسها: إزالة طبقات النسيان، والكشف عن صورة كانت موجودة طوال الوقت، لكنها لم تكن مرئية بما يكفي.
وهنا تكمن المفاجأة الحقيقية للمعرض: ليس أن رعاية الله حلمي كانت موجودة، وإنما أن الأعمال تجعلنا ندرك أن تاريخ الفن الذي اعتدنا النظر إليه كان يحتاج إلى زاوية أخرى للرؤية.
وفي هذه الزاوية الجديدة، تستعيد رعاية الله حلمي مكانتها لا كاسم مستعاد من الهامش، وإنما كصوت تشكيلي يستحق أن يُقرأ داخل المتن.
*ناقد وفنان تشكيلي
شبكة عالم جديد الإخبارية عالم جديد..موقع ينقل المعلومة والخبر من كل مكان في العالم وينشر المعرفة والإبداع