نشر وكيل نقابة الصحفيين المصريين الكاتب الصحفي محمود كامل رسالة إلى الهيئة الوطنية للصحافة بعنوان “ففه الأولويات”، عبر صفحته على موقع التواصل الاجتماعي فيس بوك.
أزمة صرف بدل الصحفيين
وجاء في رسالة محمود كامل إلى الهيئة الوطنية للصحافة في مصر :
اعتادت الهيئة الوطنية للصحافة، خلال الأشهر الماضية، على صرف بدل التدريب والتكنولوجيا للزملاء بالصحف القومية من ميزانيتها الخاصة، لحين ورود الاعتماد المالي من وزارة المالية.
وهو إجراء يُحسب لها، ويستحق الشكر، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشها العاملون بالمؤسسات الصحفية القومية.
خطوة مهمة، ولكن حتى لا تحسب في باب المُكايدة، وحتى لا يستغلها البعض كوسيلة للتفرقة وزرع الفتن، كان على الهيئة ومؤسساتها أن تعلن بوضوح أن الصرف يتم من ميزانيتها، سواء بعد النقل بين أبواب الموازنة أو لوجود فوائض مالية تسمح لها بالصرف المبكر.
وإذا كانت تلك الفوائض متاحة، فكان الأولى أيضًا أن تبادر الهيئة إلى سداد مديونياتها لنقابة الصحفيين، عسى أن يعم الخير على الجميع، خاصة أنها مديونيات تقدر بالملايين، سواء مديونية السلع المتراكمة، أو نسبة الإعلانات، أو غيرها من المستحقات التي طالبت بها النقابة كثيرا على مدار شهور طويلة.

فقه الأولويات وأزمة الصحافة المصرية
وتابع محمود كامل:
كان سداد الهيئة لمديونياتها المتراكمة كفيلًا بتمكين النقابة من تغطية تكاليف البدل للزملاء في الصحف الأخرى، وكفيلًا أيضًا بألا تتحول هذه الخطوة إلى باب للجدل أو التأويل، خاصة مع عدم إعلان الهيئة صراحة أن الصرف يتم من ميزانيتها.
وإذا كانت الهيئة تؤمن حقًا بما يُعرف بـ”فقه الأولويات” الغائب عنها، فإن هذا الفقه كان يفرض عليها أن تنفذ الخطوتين معا: سداد مستحقات النقابة، والتبكير في صرف البدل.
وحتى لا يفتح الباب أمام التأويلات و”المكايدات الأمنية”، أدعو الهيئة، وهي تبادر بصرف البدل، أن تتذكر أن عدم الوفاء بمستحقات النقابة يعطل حقوق أصحاب المعاشات، ويؤثر في منظومة العلاج، ويبعث برسالة سلبية مفادها أن بعض الملفات تُقدَّم على غيرها، بينما تظل ملفات أكثر إلحاحًا تنتظر الحل.
إن الشكر على خطوة استثنائية نعتبرها سنة حسنة لا يعني الصمت عن تعطيل فرض واجب يمثل عشرات الملفات بالمؤسسات الصحفية القومية لا تزال معلقة، والتي تمس حياة الصحفيين والعمال والإداريين ومستقبل المؤسسات نفسها.
إن صرف البدل مبكرًا خطوة جيدة، لكنها لا تكفي وحدها لتكون عنوانًا للاهتمام بالعاملين، فالاهتمام الحقيقي يبدأ من توفير أجر عادل، ورعاية صحية تليق بالعاملين، وسداد الحقوق المتأخرة، ووضع حلول حقيقية للأزمات المزمنة التي تتفاقم عامًا بعد عام.
ليس المطلوب من الهيئة الوطنية للصحافة أن تسبق وزارة المالية في صرف بدل التدريب والتكنولوجيا فقط وتعلن ذلك عبر صفحتها الرسمية العامة!
وإنما أن تسبق الجميع أيضًا في أداء واجباتها الأساسية تجاه المؤسسات والعاملين بها، وصرف المتأخرات المالية لمن أفنوا عمرهم بالعمل داخل المؤسسات بدلا من تركهم للحياة تنال منهم أو يضطرون للتظاهر من أجل حقوقهم مما يعرضهم ويعرض سمعة المؤسسات للخطر.
أزمة أصحاب المعاشات
واستكمل وكيل نقابة الصحفيين :
كان من الأولى إنهاء معاناة أصحاب المعاشات، الذين لا تزال مستحقاتهم المالية من مكافآت نهاية الخدمة والصناديق وغيرها معلقة منذ سنوات، رغم أنها حقوق مكتسبة وليست منحة من أحد.
إذا كانت الهيئة قد رأت أن لديها من الملاءة المالية ما يسمح بصرف البدل من ميزانيتها لحين ورود الاعتماد المالي، فكان الأولى أن تنعكس هذه القدرة على قرارات أخرى أكثر إلحاحًا وعدالة.
كان الأولى أن تتدخل لإنقاذ منظومة العلاج، التي تراجعت بصورة غير مسبوقة، حتى أصبح الحصول على خدمة طبية مناسبة أو دواء أمرًا بالغ الصعوبة، في ظل تعثر التعاقدات مع مستشفيات ومراكز أشعة وتحاليل وصيدليات،
وهو وضع ينعكس يوميًا على آلاف العاملين وأسرهم، ليتم ترحيل ذلك إلى النقابة ومشروع العلاج بها وهو أمر يعلم الكثيرين تبعاته.
وكان الأولى تسديد مديونيات المؤسسات الصحفية للصيدليات التي أوقفت صرف العلاج، أو تسديد مديونيات المستشفيات التي تعد على أصابع اليد الواحدة والتي تهدد بوقف تقديم الخدمات الصحية.
وكان الأولى أن تبحث عن حلول جادة لأزمة سيارات المؤسسات الصحفية، التي خرج عدد كبير منها من الخدمة أو أصبح متهالكًا بدون رخص تسيير، بما يؤثر على أداء العمل اليومي.
كان الأولى أن تبدأ برفع أجور العاملين في المؤسسات الصحفية القومية، الذين تآكلت دخولهم بصورة لم تعد تتناسب مع الحد الأدنى لمتطلبات الحياة الكريمة.
وكان الأولى أن تبادر الهيئة إلى تعيين الزملاء المؤقتين الذين بحَّت أصواتهم وهم يطالبون بحقهم المشروع في التعيين، وأن تعمل على تنفيذ قرار رئيس مجلس الوزراء الصادر في هذا الشأن، بدلًا من استمرار معاناتهم وانتظارهم لسنوات دون حسم.
وكان الأولى أيضًا وضع خطة واضحة لمعالجة أزمة مديونيات التأمينات المتراكمة، التي تمثل عبئًا ثقيلًا على المؤسسات، وتهدد مستقبلها إذا استمرت دون معالجة.
رسالة مهمة
واختتم محمود كامل متسائلا :
إلى القائمين على الهيئة: أين خطة تطوير المؤسسات نفسها، التي أصبحت تعاني من تراجع الإمكانات، وتهالك أساطيل السيارات، وتعطل أدوات العمل، في وقت تتحدث فيه الهيئة عن التطوير والتحديث؟
إن إدارة المؤسسات لا تكون بالحلول المؤقتة، ولا بالتركيز على الملفات التي تحقق “صدى إعلاميًا” أو “مُكايدة أمنية”، وإنما تكون بوضع أولويات حقيقية تعالج جذور الأزمة.
ولذلك، فإن الهيئة الوطنية للصحافة مطالبة بأن تراجع ترتيب أولوياتها، وأن تدرك أن العاملين لا يحتاجون إلى إجراءات استثنائية بين الحين والآخر، بقدر احتياجهم إلى سياسات عادلة ومستقرة تحفظ لهم حقهم في أجر كريم، وعلاج لائق، ومستحقات تُصرف في موعدها، ومؤسسات قادرة على الاستمرار.
إن أخطر ما تواجهه المؤسسات الصحفية القومية اليوم ليس تأخر بدل التدريب والتكنولوجيا، وإنما تآكل أوضاعها المالية والإدارية، وتراجع مستوى الخدمات المقدمة للعاملين، واستمرار ترحيل الأزمات من عام إلى آخر دون حلول حقيقية.
وأخيرًا..هل تعلم الهيئة الوطنية للصحافة أن كثيرًا من العاملين أصبحوا يحسبون تكلفة الذهاب إلى العمل قبل أن يحسبوا أجر يومهم؟ وهل تعلم أن خصم يوم غياب قد يكون، بالنسبة للبعض، أقل كلفة من الحضور إلى العمل؟
هذه هي الأزمة الحقيقية التي تنتظر من الهيئة أن تواجهها، لا أن تكتفي بإجراءات جزئية.
أما الاكتفاء بهذه الخطوة، مع استمرار تجاهل تلك الملفات، فإنه يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول ترتيب أولويات الهيئة، ويمنح الفرصة لمن يفسر هذا التحرك على أنه يستهدف تحقيق مكاسب في الصورة والانطباع العام أكثر مما يستهدف معالجة جوهر معاناة العاملين،
لذا كان من الأولى بالهيئة أن تغلق باب هذه التساؤلات بإنجازات حقيقية تمس حياة العاملين اليومية، لا بخطوة واحدة مكررة كل شهر، مهما كانت محل تقدير.

شبكة عالم جديد الإخبارية عالم جديد..موقع ينقل المعلومة والخبر من كل مكان في العالم وينشر المعرفة والإبداع