أ. د محمود زايد
تفرز الإرهاصات الأولى للزيارة الرسمية التي قام بها رئيس إقليم كوردستان العراق، نيجيرفان بارزاني، إلى دمشق، بدعوة رسمية من الرئيس السوري أحمد الشرع، تحولاً فارقًا في مسار العلاقات الإقليمية، وبناء تفاهمات سياسية في المنطقة.
فهي تُمثّل قيمة نوعية في كونها أول زيارة لمسؤول كوردي كبير إلى سوريا ما بعد الأسد، وفيها حظي الوفد الكوردي باستقبال مهيب، حيث رُفع علم إقليم كوردستان في قصر الشعب بدمشق بما يعكس رغبة الإدارة السورية الحالية في تقدير الثقل السياسي لإقليم كوردستان، وربما أيضًا بمثابة رسالة تطبيب للإيزيديين في ذكرى إبادتهم الثانية عشرة.
فأنا لا أتوقع أن تحديد وقت هذه الزيارة جاء من قبيل الصدفة، فنيجيرفان البارزاني رئيس من وقع عليهم الإبادة داخل الحدود السياسية للعراق، والرئيس السوري الحالي وجماعته هم ممن قاموا بهذه الجريمة حينما كان اسمه أبو محمد الجولاني.
نيجيرفان بارزاني و أحمد الشرع
على أية حال، فإن دلالات الزيارة لا تقتصر على كونها لقاءً بروتوكولياً، وإنما هي مؤشر على تبلور تحالفات إقليمية جديدة، وإعادة تعريف للأدوار في سوريا التي تبحث عن استقرارها.
كما أنها تستمد أهميتها من توقيتها الحساس، والملفات الأمنية والسياسية الشائكة المطروحة على طاولة البحث، ومنها تعزيز العلاقات الثنائية، والشراكة الاقتصادية، ومحاولة تعبيد معوقات الملف الكوردي في سوريا عبر الحوار والتكامل المؤسسي.
ففي الشأن الاقتصادي، لا تزال سوريا تعاني من ويلات الدمار والخراب جراء صراع مسلح استمر خمسة عشر عامًا، وعليه باتت إدارة دمشق في حاجة ماسة إلى شركاء اقتصاديين لإعادة البناء الداخلي، وهي تدرك ما يتمتع به إقليم كوردستان بموقع استراتيجي، واقتصاد على قدر كبير من الاستقلال، يمثل بوابة ترانزيت وفرصة للتعاون، لاسيما في مجالات الطاقة والتبادل التجاري، ولعل ذلك وجد مرونة لدى رئيس الإقليم حينما صرح أن سوريا تمتلك فرصة تاريخية للتعافي وإعادة البناء.
الكورد في سوريا
لا شك أن الملف الكوردي في سوريا كان على طاولة الاهتمام في هذه الزيارة، فبين مظلوم عبدي والقادة في إقليم كوردستان خط مفتوح من الحوار والتفاهم لرسم مستقبل دستوري مقبول لكورد روجآفا في إطار سوريا موحدة ومستقرة تُحترم فيها حقوق جميع المجتمعات العرقية والدينية،
وهو ما أكد عليه نيجيرفان بارزاني للرئيس السوري في هذا اللقاء، داعيًا إلى تثبيت الحقوق السياسية والثقافية واللغوية الكوردية وغيرها من الإجراءات التي تصحح أخطاء النظام السابق، وتجعل الكورد في سوريا إضافة إيجابية وليس خصمًا لها.
استجابة سوريا للرؤية الكوردية
في اعتقادي، أن دمشق سوف توفّر على نفسها الكثير من الوقت والمجهود والتكلفة إذا استجابت لخريطة الطريق التي قدمها لها رئيس إقليم كوردستان، وسعت بجدية إلى تأطير الحقوق التعليمية بالإفادة من إيجابية تجربة أربيل في إعداد المناهج وتأهيل الكوادر التدريسية باللغة الكوردية مع تقدير الاختلافات المكانية والاجتماعية لكورد سوريا.
مع ذلك، يبقى مستقبل الإدارة الذاتية الكوردية في شمال شرق سوريا هو الأكثر تعقيداً وجوهرية في هذه الزيارة في ظل التدخلات الإقليمية، وما حدث من توترات دامية بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)،
وما تعاني منه عمليات الاندماج من معوقات وتصلبات تؤخر بعض الوقت تحديد ملامح الإطار السياسي لروجآفا في شمال وشرق سوريا، ودعم الاستقرار فيها وفي عموم المشهد السوري.
إذا نجح نيجيرفان بارزاني في إقناع إدارة دمشق بالإفادة من إيجابيات تجربة إقليم كوردستان العراق السياسية في التعايش مع بغداد دستوريًّا سيكون قد قدم دعمًا كبيرًا لكورد روجافا وحكومة دمشق داخل الدولة السورية الموحدة، وذلك بالحوار وليس بالمواجهة.
علاقات واسعة لأربيل
خلال السنوات الماضية برهنت تحركات قادة إقليم كوردستان مع الدول الكبرى ودول الجوار أن أربيل تقوم بدور كبير بعلاقاتها الخارجية ودبلوماسيتها الناعمة على المستويين الإقليمي والدولي، مما أهلها إلى لعب دور الوسيط المقبول لحلحلة الكثير من المشكلات والقضايا العالقة،
ولعل منها في زيارة رئيس إقليم كوردستان الحالية إلى دمشق لبحث التنسيق الثلاثي بين كل من أربيل وبغداد ودمشق لتعزيز الأمن الإقليمي، وتهيئة الظروف المناسبة للعودة الطوعية الآمنة والتدرجية للاجئين السوريين المقيمين في إقليم كوردستان، وإنهاء ملف المخاوف الأمنية المتبادلة عبر الطرق الرسمية والدستورية، والتعاون الاستخباراتي والأمني لملاحقة فلول الدواعش، وضبط الشريط الحدودي لمنع التسلل والتهريب.
انفتاح كوردستان على دول الجوار
وأخيرًا، فإنه من خلال ما قرأناه من زيارة الرئيس نيجيرفان بارزاني لسوريا نقرر أنها لم تكن مجرد لقاء عابر، بل انعكاس لسياسة إقليم كوردستان القائمة على الانفتاح على جميع الأطراف الفاعلة في المنطقة، وتثبت أن إقليم كوردستان وقادته الحاليين باتوا لاعبًا إقليميًّا قادرًا على مد جسور التواصل لحل الأزمات المعقدة في جواره، بما فيها ضمان حقوق الكورد في ظل سوريا موحد، ولعل ذلك حفز دمشق على فتح قنصلية لها في أربيل لتعزيز هذا المسار.
شبكة عالم جديد الإخبارية عالم جديد..موقع ينقل المعلومة والخبر من كل مكان في العالم وينشر المعرفة والإبداع