الإثنين , 24 أغسطس , 2026
أخبار عاجلة

ثمانية آلاف جرح في جسد الأمة.. وصمة عار على جبين الظالمين

أ. د. بەهات حسيب قرەداخی

 

منذ ثلاثة وأربعين عامًا، تحدیدا منذ الحادي والثلاثين من تموز من عام 1983، لا نحيي نحن الكرد ذكرى حادثة دامية عابرة فحسب، بل نستنهض جرحًا غائرًا في جسدنا، ضاربًا جذوره في عمق ذاكرتنا القومية.

 

ففي ذلک اليوم اقتيد أكثر من ثمانية آلاف رجل وشاب من البارزانيین، الذين كانوا قد احتجزوا من قبل النظام البعثي رفقة عائلاتهم في معسكرات الاعتقال القسري، إلى صحاري جنوب العراق،

 

حيث أُعدموا جماعیا دون رحمة، ودُفنوا في مقابر جماعية تحت رمال الصحراء. وكانت تلك آنذاك ذروة الجرائم البشعة التي ارتكبها البعث بحق الشعب الكردي.

 

لم تكن تلك الجريمة مجرد إبادة جماعية عابرة، بل كانت محاولة عنصرية وحشية لطمس الهوية، وكسر الإرادة الكردية، واقتلاع جذور الفكر القومي الكردي والإيمان الوطني لشعب ظل مئة عام يطالب بحقه في الحياة والكرامة. ظن المحتل السفّاح، الفاقد للضمير والرحمة،

أنه برشقات رصاصات الغدر قادر على إخماد نداء حرية أمة وصوت التاريخ معًا.

وظن أنه قادر على طمر جرائمه بالجرافات، لكن رمال صحراء الإبادة لم تستطع يومًا أن تطمس الحقيقة إلى الأبد؛ وها هي اليوم دماء ثمانية آلاف بارزاني المسفوكة غدرًا، وأرواح شهدائهم الطاهرة المغدورة،

تتصدر عناوين الأخبار وأحاديث الإعلام لتغدو وصية حية للضحايا، ورمزًا لصمود الأمة الكردية، ووصمة عار خالدة على جبين محتلي كوردستان.

 

انتظارًا لعودة كل واحد من أولئك الرجال الثمانية آلاف، ، ظلت آلاف الأمهات حتى آخر نفس وآخر نبضة قلب موجعة ترقب الطريق بعيون دامعة، وأمضت آلاف النساء المرتديات السواد ، أعمارهن على عتبات بيوتهن، متشبثات بأمل عودة أزواجهن، الذین ذهبوا ولم يعودوا !

 

وشبّ آلاف الأطفال الكرد الأيتام وترعرعوا، ولم يعرفوا آباءهم وإخوتهم وأعمامهم وأخوالهم وأجدادهم إلا من صورة واحدة بالأبيض والأسود، ولم يتذوقوا يومًا دفء حضن الأب.

 

لم تنتهِ هذه الجريمة والمأساة بمرور عام أو عامين؛ بل ما زالت مأساة ابادة البارزانيين ممتدة إلى يومنا هذا؛ فذاكرة ذويهم مثقلة بالألم والحرمان، واسئلة بلا أجوبة، و بحث يائس عن العدالة لا يزال قائمًا.

 

لقد كانت مجزرة البارزانيين بمثابة مقدمة وتمهيد لحملات الأنفال سيئة الصيت، التي استهدفت عشرات الآلاف من الكرد البسطاء وسكان القرى، وهذا دليل على وحشية المحتل الذي هو على استعداد، متى ما تیسر لە، لأن يحرق الأخضر واليابس معًا، ويبيد الكبار و الصغار دون تمييز!

 

واليوم، وقد مرّ ثلاثة وأربعون عامًا على مجزرة البارزانيين، لا ينبغي أن نكتفي بإحيائها كذكرى حزينة عابرة، بل يجب على كل فرد كردي، وعلى جميع القوى السياسية الكردية، أن يقطعوا على أنفسهم عهدًا كرديًا أمام شعبهم وأرضهم وربهم، بأن يبقوا تاريخنا الدامي وتضحياتنا حيّة في الذاكرة،

 

وأن يصونوا وحدة الصف الكردي الداخلي، نابذين الفرقة والأنانية ومنطق «أنا وأنت»، فالشعوب التي تُجلّ ذكرى ضحاياها هي وحدها القادرة على حماية مستقبل أبنائها وأجيالها القادمة. أما الأمة التي تنسى ضحاياها، فإن تاريخها سيُكتب من جديد بالدم.

 

المجد لكل الشهداء فردا فردا، الذين أُبيدوا تحت مسمی البارزانيین. والخلود لجميع ضحايا حملات الأنفال. والشموخ لكل أولئك الأمهات والأبناء والأخوات والإخوة الذين ما زالت عيونهم تترقب عودة رفات ذويهم المغدور بهم.