الخميس , 26 فبراير , 2026
أخبار عاجلة

حكيم جماعين يكتب: إعادة إحياء تقنية الإبرو (Ebru) رمش العين.. من الحرفة إلى الفعل الفني التفاعلي المبدع

حكيم جماعين يكتب عن الفنان محمد عبلة ومعرضه في جاليري ضي الزمالك

لم تعد الممارسة الفنية المعاصرة محصورة في إنتاج عمل يُعلَّق على الجدران أو يُعرَض في قاعات مغلقة، بل تحوّل الفن اليوم إلى تجربة حيّة تُصنع أمام أعين الجمهور وبمشاركتهم الوجدانية والبصرية.

وفي هذا السياق تبرز محاولة إعادة إحياء تقنية الإبرو (Ebru) – أو ما كان يُعرف في مصر البلد الأول تاريخيا في استخدام هذه التقنية باسم «رمش العين» – ومن خلال الفنان الكبير محمد
عبلة، بقاعات جاليري ضي الزمالك، بوصفها فعلًا فنيا تفاعليا يتجاوز حدود الحرفة التقليدية ليصبح خطابا بصريا معاصرا.

الإبرو (Ebru) في جذوره تقنية تعتمد على الماء، اللون، واللحظة العابرة، فالرسام لا يرسم على سطح ثابت، بل على وسيط زائل هو سطح الماء، لتتحول كل حركة، وكل قطرة لون، إلى فعل غير قابل للتكرار.

هذه الطبيعة الزمنية والهشّة للتقنية تجعلها قريبة من مفاهيم الفن الأدائي (Performance Art)، وهذا مايقوم به عبلة أمام الجمهور المحتشد، والمتفاعل مع الحدث، ولأكثر من خمس ورش فنية، خلال مدة العرض والتي تستمر شهرا ونصف الشهر، حيث يصبح الفعل أهم من النتيجة، والعملية أهم من المنتج النهائي.

إن إعادة توظيف هذه التقنية في سياق معاصر، وأمام جمهور حاضر، يحوّل الفنان من صانع عمل إلى مُيسِّر تجربة، فالمشاهد لا يكتفي بالرؤية، بل يشهد ولادة الصورة، يتابع تشكُّلها، ويتورط وجدانيا في مسارها.

هنا لا يعود الجمهور متلقيا سلبيا، بل يصبح جزءا من زمن العمل ومن ديناميكيته. إن لحظة ترقّب سقوط اللون على الماء، وانتظار تحوّله إلى شكل، تخلق علاقة توتر وجمال في آن واحد، علاقة بين الصدفة والسيطرة، بين الحرية والانضباط.

ولا يمكن قراءة تجربة عبلة في إحياء تقنية الإبرو/«رمش العين» بوصفها مجرد عودة إلى الحرفة، بل هي فعل تطوير وتجريب واعٍ. محمد عبلة المجرب لم يقف عند حدود التقنية التقليدية، بل تعامل معها بوصفها مادة مفتوحة على الاحتمال، فابتكر أدواته، واشتغل على تطوير أسطحه، وصنع أحباره يدويا بما يتوافق مع رؤيته الجمالية والتقنية الخاصة.

بهذا المعنى لا يكتفي عبلة بإحياء تقنية تاريخية، بل يعيد تأسيسها بصريا ومعرفيا، ويمنحها حياة جديدة داخل سياق معاصر.
إن صناعته للأحبار ليست تفصيلًا تقنيا فقط، بل موقفا فكريا يؤكد استقلالية الفنان عن الجاهز والمُعلَّب، ويُعيد الاعتبار لفكرة المختبر الفني بوصفه فضاءً للبحث والاكتشاف، وهنا تتحول «رمش العين» من ممارسة تراثية إلى لغة شخصية تحمل توقيع الفنان وهويته البصرية.
حيث يمكن قراءة هذا الفعل الفني بوصفه مقاومة ضمنية لسرعة الاستهلاك البصري في عصر الصور الرقمية. فالإبرو (Ebru) يفرض إيقاعا بطيئا، تأمليا، ويُذكّر المشاهد بأن الصورة ليست ملفا يُحمَّل، بل حدثا يُعاش. كما أن استدعاء اسم «رمش العين» يحمل دلالة شاعرية عميقة، فكما أن رمشة العين لحظة قصيرة بين الرؤية والعمى، فإن العمل الفني هنا يقيم في منطقة وسطى بين الظهور والزوال.

غير أن هذا النوع من الممارسات يواجه تحديا نقديا يتمثل في خطر الانزلاق إلى الاستعراض أو الفرجة المجردة، وهذا ما تجاوزه الفنان الكبير محمد عبلة، ومن خلال خبرته وتجربته اشتغل على الفعل ليجعله محمّلًا برؤية فكرية وسؤال جمالي واضح، بحيث لا يكون العرض مجرد عرض تقني يثير الإعجاب دون أن يفتح أفقا للتأمل، لذلك تظل قيمة العمل مرهونة بقدرة الفنان على تحويل التقنية إلى لغة، والحدث إلى موقف.
إن إحياء تقنية الإبرو / رمش العين ضمن سياق تفاعلي مع الجمهور ليس عودة إلى الماضي، بل هو إعادة كتابة للتراث بلغة الحاضر، هو فعل يستحضر الذاكرة البصرية ويعيد توجيهها نحو المستقبل، ويؤكد أن الفن، في جوهره، ليس ما نراه فقط، بل ما نعيشه ونحن نراه.

*الكاتب ناقد وفنان تشكيلي