الأربعاء , 2 سبتمبر , 2026
أخبار عاجلة

رعاية الله حلمي وعطية الله حلمي.. هدايا فنية إلهية لسائر البشرية

شريف قنديل

 

كَمَا يفرحُ الصِّغارُ بطقوسٍ الاستعدادِ لممارسةِ لعبةٍ جماعيَّةٍ، تركتُ حفلَ افتتاحِ جاليري الفنَّانِ الكبيرِ حامد ندا، فِي أتيليه العرب بالزَّمالك، وَجريتُ نحوَ الصِّبيةِ المتجمِّعِينَ انتظارًا لِدورِي فِي لعبةِ “صلَّح”!

 

والواقعُ أنَّ حفلَ الافتتاحِ كانَ مُبهرًا فِي كلِّ شيءٍ.. مكانُ القاعةِ، وعددُ ونوعيَّة الحاضرِيَنَ من فنَّانِينَ كِبارٍ، ووزَرَاء سَابقِينَ، وإعلاميِّين، فضلًا عَن جَمَالِ وَروعةِ الأعمالِ الفنيَّةِ فِي الصَّالةِ الوليدةِ.

معَ ذلكَ، وفورَ أنْ وقعتْ عَينَاي -فِي صالةٍ أُخْرى- علَى مجموعةِ أطفالٍ، تمارسُ “صلَّح”، وأُخْرَى فِي الجهةِ المقابلةِ تلعبُ “الإسْتغمَّايةَ”، وثالثةٍ مُنخَرِطَةٍ فِي “شيلني وأشيلك”، وجدتُنِي أتنقَّلُ بينَ هذهِ المجموعاتِ، وكأنَّني أحجزُ مكانًا فِي اللُّعبةِ المُقبلةِ!

هلْ كانَ الحَنينُ لِسنِينَ الزَّمنِ الجَميلِ، أمْ كانَ الولعُ بروعةِ الفنِّ المصريِّ الأصيلِ، أمْ هُو الفرحُ الفِطريُّ بأيِّ شيءٍ جميلٍ؟ والحقُّ أنَّ مَا شهدتُهُ أمس، لمْ يكنْ مجرَّد شَيءٍ جَميلٍ، بلْ كانَ الجَمَال كلهُ!

دقائقُ وغادرَ غالبيةُ المُفتتحِينَ والحُضورِ، قاعةَ حامد ندا، ورأيتُ مِن الواجبِ الأخلاقيِّ والفنيِّ أنْ أتوجَّهَ للقاعةِ الجديدةِ، مستئذِنًا مِن الصِّبيةِ الذِينَ خِلتهُم يعاتبُونَنِي عَلَى الانصرافِ، رغمَ أنَّ دورِي فِي اللعبِ والحَركةِ قدْ اقتربَ!

والحاصلُ أنَّني أحسستُ كذلكَ بثمَّةِ تقصيرٍ كبيرٍ منِّي، عندمَا انصرفتُ فِي البدايةِ، عَن قاعةِ حامد ندا، بالإضافةِ إلَى تفويتِي لفرصةِ التَّحيةِ والسَّلامِ علَى الأديبِ والنَّاقدِ الرَّائعِ عماد الدين أبوغازي وزيرِ الثقافةِ السَّابق!

 

 

 

وفيمَا كنتُ مَشدُودًا، أو مَشدُوهًا حَائرًا بينَ قاعتَينِ، اكتشفتُ المفاجأةَ الكُبْرى! فالأعمالُ المعلَّقةُ فِي قاعةِ حامد ندا، هِي للفنَّانةِ القديرةِ رعاية الله حلمي، والدةِ الوزيرِ عماد الدين أبو غازي، وزوجةِ عملاقِ الثقافةِ المصريَّةِ المعاصرةِ الوزيرِ بدر الدين أبو غازي! والأعمالُ الريفيَّةُ المُدهشةُ فِي القَاعةِ الأُخْرى، بمَا فيهَا مِن ألعابٍ شعبيَّةٍ جماعيَّةٍ هِي للفنَّانةِ القديرةِ عطية حلمي، زوجةِ الفنَّانِ الرَّائدِ حامد ندا!!

 

معَ ذلكَ، عدتُ لقراءةِ لوحاتِ عطية حلمي، مُتحرِّرًا، أو مُحرِّرًا ذِهنِي مِن كونِهَا زوجةَ حامد ندا.. متسائلًا عَن سببِ اعتزالِهَا مُبكِّرًا، رغمَ أنَّ أعمالَهَا المُذهلةَ كانتْ تمثِّلُ مشروعَ تخرُّجهَا فِي كليَّةِ الفُنونِ الجَميلةِ عامَ 1962.. أيُّ لُغةٍ بصريَّةٍ هذهِ؟ وأيُّ قدرةٍ فائقةٍ عَلَى الاشتباكِ الجميلِ معَ التراثِ الأصيلِ؟! أيُّ مهارةٍ تلكَ؟ وأيُّ تمكُّنٍ مُذهلٍ مِن السيطرةِ، أو الانصهارِ فِي الكتلةِ والحَركةِ، بحيث تجعلُ المتأمِّلَ ينصهرُ، بل يتسمَّرُ أمامَ لوحاتِهَا؟! أيُّ دفءٍ، بل أيُّ عبقٍ للألوانِ؟ وأيُّ ترابٍ جميلٍ، يحملُ في ذرَّاتهِ تفاصيلَ البيئةِ الشعبيَّةِ المصريَّةِ؟!

وجدتُنِي أتَّجهُ مِن جديدٍ لقاعةِ حامد ندا، حيثُ تتألَّقُ ابنةُ حلوان، رعاية الله حلمي، وَهِي تأخذُنَا معهَا لِلتعرُّفِ علَى ملامحِ الجَمَالِ فِي القاهرةِ، والجيزةِ، ورأسِ البر،ِ وأسوان. قلتُ وأنَا أُحملقُ فِي لوحاتِهَا: أيُّ بيتٍ شاعريٍّ جميلٍ هذَا الذِي جمعَ بينَ رعاية الله حلمي، بكلِّ مَا تملكهُ مِن مفاتيحِ الرَّسمِ والتَّصويرِ والنَّحتِ، وبدر الدين أبو غازي، بكلِّ مَا لديهِ مِن كنوزِ الأدبِ والمعرفةِ والنَّقدِ؟ الآنَ عرفتُ لماذَا يحبُّ النَّاسُ عماد الدين أبو غازي كلَّ هذَا الحُبِّ.. الآنَ عرفتُ لماذَا حينَ يطلُّ فِي أيِّ مكانٍ يتحلَّقُ حولَهُ المبدعُونَ فِي كلِّ مجالاتِ الحياةِ.

كانَ الحَل الوَحِيد أَمامِي -وقدْ ازدحمتْ فِي رَأسِي عشراتُ الأسئلةِ- أنْ أتَّجهَ صوبَ شجرةٍ عتيقةٍ فِي أتيليه ضي بالزَّمالك؛ لألتقطَ أنفاسِي تحتهَا، ويبدُو أنَّها بدورِهَا، بلْ بفروعِهَا وأغصانِهَا وثمارِهَا، كانتْ هِي شَجَرة الإبداعِ المصريِّ الجميلِ، فمضيتُ بسيَّارتِي صوبَ نهرِ النِّيلِ، حيثُ قدَّم لِي -كعادتِهِ- كلَّ الإجاباتِ!