خلال زيارة سلطان القاسمي إلى جاليري حامد ندا قبيل ساعات من افتتاحه ومعرض رعاية الله حلمي، يرصد الناقد الفنان حكيم جماعين حالة فنية عبر هذه السطور تمثل ذاكرةً مؤجلة…

ليست المعارض الفنية دائما مناسبات لعرض الأعمال، ولا تكون القاعات مجرد جدران تتسع للوحـات. أحيانا يحدث أن يفتح معرض صغير نافذة واسعة على تاريخ كامل، وأن يصبح استدعاء فنانة غائبة فعلًا يتجاوز حدود استعادة اسم إلى مساءلة الطريقة التي نكتب بها تاريخ الفن، ومن نختار أن نتذكر، ومن نسمح له بأن يظل حاضرا في الذاكرة.
من هذه الزاوية، يبدو معرض الفنانة رعاية الله حلمي، الذي يتزامن مع تدشين قاعة حامد ندا بالزمالك، حدثا يتجاوز قيمته التشكيلية المباشرة. إنه، في جوهره، محاولة لطرق أبواب الذاكرة الفنية المصرية، واستدعاء اسم انزوى طويلًا خارج السردية الشائعة لتاريخ الفن، لا لأن التجربة افتقرت إلى القيمة، وإنما لأن التاريخ الثقافي، مثل كل تاريخ اجتماعي، لا يحفظ بالضرورة الأكثر قيمة،
بل كثيرا ما يحفظ الأكثر حضورا في المؤسسات، والأكثر استمرارا في العرض والتوثيق، والأكثر قدرة على الوصول إلى المؤرخين والنقاد والباحثين.
هنا تحديدا تكتسب قصة رعاية حلمي دلالتها.
في مقاله الشخصي الذي نشره في ديسمبر 2005 بعنوان «مقال شخصي جدا.. هذا ما قالته لي أمي»، يكتب الدكتور عماد أبو غازي عن أمه لا باعتبارها فنانة فقط، وإنما باعتبارها إنسانة صنعت عالما كاملًا من حولها: أماً، ومعلمة، وفنانة، وراعية للمعرفة والجمال.
ومن ناحية أخرى، يلتقط الناقد والفنان التشكيلي مجدي عثمان اسم رعاية حلمي أثناء بحثه في تاريخ الفنانات المصريات، ثم يعيد اكتشافها بوصفها واحدة من تلك الأسماء التي تركها الزمن في منطقة معتمة، قبل أن تقود المصادفة والبحث إلى إعادة وضعها في مكانها المستحق.
بين النصين مسافة زمنية وتجريبية، لكنهما يلتقيان عند حقيقة واحدة: رعاية حلمي لم تختفِ من الحياة، وإنما اختفت من تاريخ الفن.
وهذا فرق بالغ الأهمية.
فقد تكون هناك أعمال لا يراها أحد، لكنها تظل موجودة. وقد يكون هناك فنانون لا يظهرون في الكتب، لكن أعمالهم لا تزال تحتفظ بشهادتها الصامتة. النسيان هنا ليس عدما، إنه طبقة من الغبار الثقافي يمكن أن تخفي الشيء دون أن تزيله.
الفنانة التي اختارت أن تكون معلمة
ولدت رعاية الله حلمي في حلوان في 24 ديسمبر 1923، وتخرجت في معهد الفنون الجميلة للفتيات، الذي أصبح فيما بعد كلية التربية الفنية.
عملت بالتدريس، وأمضت القسم الأكبر من حياتها الوظيفية في المدرسة السنية للبنات، قبل أن تصبح مفتشة للتربية الفنية في منطقة غرب القاهرة التعليمية، حتى استقالت من العمل عام 1979 عقب وفاة ابنها الأكبر في حادث سيارة.
هذه السيرة، في ظاهرها، سيرة معلمة ناجحة. لكنها عند تأملها من منظور اجتماعي تكشف عن شيء أكثر تعقيدا: امرأة امتلكت موهبة فنية، ودخلت المجال المهني، ثم وجدت نفسها أمام سؤال لم يكن فرديا تماما: كيف يمكن للمرأة أن توزع حياتها بين الإبداع والعمل والأسرة؟
كانت رعاية نحاتة ومصورة ورسامة. لكنها اعتزلت ممارسة الفن في النصف الثاني من خمسينيات القرن العشرين، حين شعرت بأنها لن تستطيع الجمع بين تربية أبنائها، والعمل بالتدريس، وممارسة الفن.
قد يبدو القرار شخصيا، لكنه في الحقيقة يحمل أثر عصر كامل.
فالمجتمع لا يوزع الوقت بالتساوي بين أفراده، ولا يمنح الجميع الحق نفسه في التفرغ لذواتهم. وما نسميه أحيانا «اختيارا شخصيا» قد يكون، في كثير من الأحيان، نتيجة تفاوض طويل بين الرغبة الفردية والواجب الاجتماعي.
وهكذا فإن توقف رعاية حلمي عن الفن لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره انقطاعا فنيا فحسب، بل بوصفه وثيقة اجتماعية عن وضع المرأة المصرية المتعلمة والعاملة والمبدعة في منتصف القرن العشرين.
المفارقة أن رعاية لم تترك المجال الفني لأنها لم تكن تحبه، العكس تماما.
كانت تعشق عملها كمعلمة، وتشعر بمسؤولية تجاه تلميذاتها وتكوينهن الفكري والثقافي. وهنا يصبح قرارها أكثر إيلاما وأكثر نبلاً في آن واحد: لم تتخل عن الفن لأنها فقدت شغفها به، وإنما لأنها اختارت، في لحظة معينة، أن تجعل من التربية شكلًا آخر من أشكال الإبداع.
وربما كان هذا هو المعنى الأعمق في تجربتها.
فالمعلم الحقيقي يمارس نوعا من النحت أيضا. لا ينحت الحجر، وإنما ينحت الوعي. ولا يرسم على القماش، وإنما يترك خطوطا في الذاكرة. ولا يصنع تمثالًا، بل يشارك في صناعة إنسان.
الفن الذي انتقل من المرسم إلى الحياة

يقول عماد أبو غازي في شهادته عن أمه إنه تعلم منها «التأمل» والبحث عن التفاصيل الصغيرة والسعي إلى الجمال والحرص على إتقان العمل ومحبة الفن.
هذه ليست قائمة فضائل عائلية فحسب، إنها في الحقيقة، بيان جمالي غير مكتوب.
فالفنانة التي توقفت عن إنتاج الأعمال لم تتوقف عن ممارسة الحس الفني. انتقل الفن عندها من اللوحة إلى طريقة النظر، ومن المرسم إلى البيت، ومن العمل الفردي إلى التربية.
كانت تهتم بما يرسمه أبناؤها، تحتفظ بأعمالهم، وترعى اهتماماتهم الصغيرة والكبيرة. وكانت تصطحب أبناءها مع أبيهم إلى المتاحف والمعارض. وفي سنواتها الأخيرة، حين أصبح خروجها محدودا، كان ابنها عماد يصور لها ما يراه في رحلاته، ثم يعود ليجلس معها ويعرض عليها الصور.
هنا يصبح السؤال: هل يمكن أن يتوقف الفنان عن الفن فعلًا؟
ربما تتوقف اليد عن الرسم، لكن العين لا تتوقف عن النظر.
ورعاية، كما تبدو من شهادة ابنها، لم تتوقف عينها قط. ظلت ترى، وتقارن، وتتأمل، وتتابع، وتربي الذائقة. لقد تحولت الممارسة الفنية عندها من «إنتاج العمل» إلى «إنتاج الحس الجمالي».
وهذا يجعلنا أمام تعريف أوسع للفنان: ليس الفنان بالضرورة من يملأ القاعات بالأعمال، وإنما من يغير طريقة رؤية الآخرين للعالم.
المكتبة باعتبارها عملًا فنيا

من أجمل التفاصيل التي يرويها عماد أبو غازي تلك العادة التي جمعت والديه منذ بداية زواجهما: كانا يدخران من راتبيهما لشراء كتاب جديد في الفن التشكيلي كل شهر، حتى تكونت مكتبتهما الخاصة.
ثم تحولت العادة إلى طقس عائلي، وأصبح شراء الكتب للأبناء عادة شهرية أيضا.
هذه الحكاية الصغيرة تستحق أن تُقرأ بوصفها ظاهرة اجتماعية كاملة.
فالأسرة هنا لم تكن تستهلك الثقافة، بل كانت تنتج علاقة بها. والكتاب لم يكن شيئا للزينة، بل كان جزءا من بناء الشخصية. والمكتبة لم تكن مجرد رفوف، وإنما مشروعا لتكوين الذاكرة.
هكذا يمكن فهم تأثير رعاية حلمي في أبنائها على نحو أعمق: لم تورثهم أعمالًا فنية كثيرة، لكنها ورثتهم طريقة في النظر.
وما قيمة أن يرث الإنسان لوحة إذا لم يرث القدرة على رؤية العالم؟
من «الفنانة المنسية» إلى سؤال التاريخ
أما الباحث والناقد الفنان مجدي عثمان، فقد وصل إلى رعاية حلمي من طريق مختلف. كان يبحث في أسماء الفنانات المصريات، فمر على أسماء عديدة مثل عفيفة توفيق، زينب عبده، إسكندرة غبريال، إسِمت كامل، أليس تادرس، عدالات صدقي، إنعام سعيد، كوكب يوسف، عليا صبري، عائشة الأرماني، ثروت روحي، زهور بسنتي، ذكية، مفيدة شعبان، سميحة سالم وغيرهن.
ثم وجد اسم «رعاية حلمي» في كتاب «50 سنة من الفن» لرشدي إسكندر وكمال الملاخ.
لكن الاسم لم يفتح الطريق مباشرة.
لقد كانت مشكلة الاسم أنه ظل مجرد اسم، إلى أن كشف الدكتور عماد أبو غازي صلته بهويته العائلية. رعاية حلمي ليست شخصية بعيدة في كتاب تاريخ الفن، إنها أمه.
هنا تحدث واحدة من أكثر مصادفات البحث الثقافي إثارة: يلتقي الأرشيف العائلي بالأرشيف العام.
والأهم أن رعاية حلمي لم تكن وحدها. فقد اكتشف الناقد مجدي عثمان أنها شقيقة الفنانة منحة الله حلمي، التي كان قد سبق أن تعامل مع أعمالها وأقام لها معرضا.
إن المصادفة هنا ليست مجرد حكاية طريفة. إنها تكشف مشكلة بنيوية في كتابة تاريخ الفن: كم من الأسماء تحتاج إلى «صدفة» كي تعود إلى الظهور؟
وكم من فنانة لا تزال تنتظر باحثا يعثر على اسمها في كتاب قديم، أو لوحة في منزل، أو صورة في أرشيف، أو شهادة من ابن أو ابنة؟
المرأة في هامش التاريخ
لا يمكن قراءة تجربة رعاية حلمي دون التوقف عند سؤال المرأة في تاريخ الفن المصري.
لقد شاركت النساء في الحركة الفنية المصرية الحديثة منذ مراحل مبكرة، لكن حضورهن التاريخي لم يكن دائما موازيا لحضورهن الفعلي. وهناك فارق بين أن تشارك المرأة في صناعة الثقافة، وبين أن يُعترف بها لاحقا باعتبارها جزءا من تاريخها.
التاريخ ليس مرآة محايدة.
إنه عملية اختيار، وتصنيف، واستبعاد، وتكرار. وما يتكرر في الكتب والمعارض والموسوعات يصبح «تاريخا»، وما لا يتكرر يتحول تدريجيا إلى هامش، ثم إلى نسيان.
ولذلك فإن استعادة رعاية حلمي لا تعني إضافة اسم جديد إلى قائمة الفنانين وحسب، إنها تعني إعادة النظر في الآليات التي صنعت القائمة أصلًا.
ومن هنا تتجاوز أهمية المعرض حدود رعاية حلمي نفسها. فإحياء تجربة واحدة قد يصبح فعلًا كاشفا عن عشرات التجارب الأخرى التي لم تصل بعد إلى الضوء.
بين رعاية ومنحة: أختان وذاكرتان
تحمل قصة الأختين، رعاية ومنحة الله حلمي، دلالة إضافية.
فكلتاهما تنتميان إلى الجيل نفسه تقريبا، وتخرّجتا في البيئة الفنية والتعليمية ذاتها، لكن مساريهما اختلفا. منحة الله استمرت في حضورها داخل الحركة الفنية، بينما انسحبت رعاية في وقت مبكر من ممارسة الفن، وانشغلت بالتدريس والأسرة.
وهذا الاختلاف لا ينبغي أن يقود إلى المفاضلة بينهما.
بل ربما يمنحنا فرصة لفهم معنى آخر للنجاح الفني.
فهل النجاح أن يستمر الفنان في العرض والإنتاج، أم أن قيمة التجربة يمكن أن تظل قائمة حتى إذا انقطعت عن السوق والمؤسسة والمعرض؟
لقد منحت منحة الله حلمي تاريخها الفني امتدادا مؤسسيا، بينما تركت رعاية أثرها في مساحات أخرى: في تلميذاتها، وأبنائها، وبيتها، ومكتبتها، وفي الأعمال القليلة التي ظلت محفوظة.
كأن الأختين تمثلان مسارين مختلفين للفنانة المصرية في القرن العشرين: واحدة استمرت في المجال الفني العام، وأخرى انسحبت منه جزئيا كي تؤدي أدوارا اجتماعية أخرى.
ومن الخطأ أن نعتبر أحد المسارين أكثر قيمة بالضرورة.
اللوحة بوصفها شاهدا
الأعمال القليلة التي احتفظت بها الأسرة، والتي توزعت بين عماد أبو غازي وشقيقته الدكتورة نادية أبو غازي، تكتسب الآن قيمة تتجاوز قيمتها المادية.
فالعمل الفني هنا ليس مجرد «قطعة»؛ إنه وثيقة.
إنه شاهد على يد كانت ترسم قبل أن تختار الصمت، وعلى عين كانت ترى قبل أن تتفرغ لتعليم الآخرين كيف يرون.
ولهذا فإن إعادة عرض هذه الأعمال بعد عقود طويلة من اعتزال الفنانة ممارسة الفن تضعنا أمام تجربة اختبارية: ماذا يحدث حين نعيد النظر إلى عمل فني خارج زمن إنتاجه؟
إننا لا نراه بالطريقة نفسها التي كان يمكن أن نراه بها في الأربعينيات أو الخمسينيات. نحن نحمله الآن بكل الأسئلة التي جاءت بعده: أسئلة المرأة، والذاكرة، والتهميش، والتوثيق، والمؤسسة، والأسرة، والهوية.
وهكذا تصبح اللوحة القديمة مرآة للحاضر أيضا.
قاعة حامد ندا: المكان الذي يستعيد الغائبين
ومن اللافت أن يكون معرض رعاية حلمي هو المعرض الأول الذي تُفتتح به قاعة حامد ندا.
فحامد ندا نفسه واحد من الأسماء الكبرى التي أثبتت أن الفن لا يعيش فقط في جمالياته المباشرة، وإنما في قدرته على اختزال المجتمع وتحويل خبرته اليومية إلى لغة بصرية.
أن تحمل القاعة اسمه، وأن تفتتح نشاطها بمعرض لفنانة ظلت بعيدة عن الضوء عقودا، يخلق حوارا رمزيا بين اسم حاضر بقوة في تاريخ الفن واسم يحاول استعادة مكانه.
كأن المكان يقول منذ بدايته: إن تاريخ الفن ليس فقط تاريخ الأسماء الراسخة، وإنما أيضا تاريخ الأصوات التي لم تجد من يسمعها في وقتها.
وفي هذا المعنى، يصبح تدشين القاعة جزءا من مشروع أكبر من افتتاح مساحة جديدة. إنه إعلان عن وظيفة ثقافية للمكان: أن يكون فضاء لاستعادة الذاكرة، لا مجرد مساحة للعرض.
ماذا يعني أن نكتشف فنانا بعد رحيله؟
رحلت رعاية حلمي في 28 أكتوبر 2014، لكنها، كما يقول ابنها، ظلت حاضرة بما زرعته في أبنائها.
واليوم، بعد سنوات من رحيلها، يعود اسمها إلى المجال العام.
لكننا لا ينبغي أن نتعامل مع ذلك باعتباره «إحياءً للماضي» فقط.
الفنانون لا يعودون إلينا كما كانوا؛ نحن الذين نعود إليهم من موقع تاريخي جديد.
حين نعيد اكتشاف فنانة بعد عقود، فإننا لا نكتشفها وحدها، بل نكتشف أيضا حدود رؤيتنا السابقة.
نكتشف أن ما اعتبرناه كاملا كان ناقصا، وأن ما ظنناه هامشيا قد يحمل قيمة مركزية.
إن إعادة قراءة رعاية حلمي تطرح سؤالًا فلسفيا بسيطا وصعبا في الوقت نفسه:
من الذي يقرر أن هذا الفنان مهم، وأن ذاك أقل أهمية؟
هل هو المؤرخ؟ الناقد؟ المؤسسة؟ السوق؟ كثافة الإنتاج؟ الحضور الإعلامي؟ أم قدرة العمل نفسه على مقاومة الزمن؟
ربما لا توجد إجابة واحدة.
لكن المؤكد أن الزمن ليس ناقدا عادلا دائما.
فالنسيان لا يساوي عدم القيمة، كما أن الشهرة لا تساوي بالضرورة العظمة.
المعرض كفعل عدالة ثقافية
لهذا فإن معرض رعاية حلمي يمكن أن يُقرأ بوصفه نوعا من العدالة الثقافية المتأخرة.
ليس لأنه يمنح الفنانة قيمة لم تكن تملكها، وإنما لأنه يحاول أن يعيد إليها حقا في أن تُرى.
وهو حق بسيط، لكنه أساسي.
أن نرى العمل قبل أن نحكم عليه.
أن نقرأ التجربة قبل أن نصنفها.
أن نضع الفنان في سياقه الاجتماعي قبل أن نختصره في سيرته.
وأن ندرك أن الصمت الذي أحاط بتجربة ما قد لا يكون دليلًا على ضعفها، وإنما ربما يكون أثرا من آثار ظروف اجتماعية ومؤسسية معقدة.
في شهادة عماد أبو غازي تبدو الأم معلمة وفنانة وأما وراعية للمعرفة. وفي قراءة مجدي عثمان تبدو الفنانة اسما منسيا عثر عليه البحث مصادفة، ثم تكشفت خلفه حياة وأعمال وأسرة وذاكرة.
بين الشهادتين تتكون الصورة الأكثر اكتمالًا.
رعاية حلمي ليست فقط الفنانة التي رسمت ونحتت ثم اعتزلت.
وليست فقط الأم التي تركت أبناءها يرثون حب الفن.
وليست فقط المعلمة التي أثرت في أجيال من التلميذات.
إنها نموذج لإنسانة تداخلت في حياتها أدوار الفنانة والمعلمة والأم والمثقفة، حتى أصبح من المستحيل الفصل بينها.
وربما لهذا السبب بالذات تأخر اكتشافها الفني: لأن الحياة نفسها كانت أكثر اتساعا من خانة «فنانة».
ما الذي ينبغي أن يفعله هذا المعرض؟
إذا كان هذا المعرض مجرد عرض لأعمال رعاية حلمي، فإنه سينتهي بانتهاء العرض.
أما إذا نجح في أن يجعلنا نطرح السؤال، فسوف يبدأ أثره بعد إغلاق القاعة.
السؤال ليس: «من هي رعاية حلمي؟» فقط.
بل:
كم رعاية حلمي لدينا؟
كم فنانة توقفت عن العمل لأن الأسرة احتاجتها؟
كم فنانا أو فنانة لم تجد أعمالهم طريقها إلى المؤسسات؟
كم تجربة ظلت محبوسة في خزائن الأسر؟
كم اسما ورد مرة في كتاب قديم ثم اختفى؟
وكم من تاريخنا الثقافي ما زال ينتظر من ينفض عنه الغبار؟
هنا يصبح دور القاعة الجديدة مهما.
فالمؤسسة الثقافية لا ينبغي أن تكون مكانًا لتقديم المعروف فقط؛ بل يمكن أن تكون مختبرا لاكتشاف المجهول وإعادة اختبار المسلمات.
وإذا كان معرض رعاية حلمي هو البداية، فإن القيمة الحقيقية لتدشين قاعة حامد ندا ستظهر في قدرتها على مواصلة هذا المسار: البحث، والتوثيق، وإعادة العرض، وفتح الأرشيفات الخاصة، وربط تاريخ الفن بالتاريخ الاجتماعي الذي أنتجه.
في النهاية: الفن الذي لا يموت
ربما كانت أكثر المفارقات شاعرية في حكاية رعاية حلمي أنها اعتزلت الفن لأنها أحبت أبناءها وتلاميذها، ثم عاد الفن إليها في سنواتها الأخيرة بإلحاح من ابنتها.
كأن الدائرة اكتملت.
وكأن اللوحة التي تركتها جانبًا طوال عقود كانت تنتظر أن تعود يدها إليها، لتقول لها إن الفن الذي ظنت أنها تخلت عنه لم يتخل عنها.
لقد ظلت هناك: في العين التي تبحث عن التفاصيل، وفي البيت الذي يحتفظ بالأعمال، وفي المكتبة التي تنمو كل شهر، وفي الأبناء الذين تعلموا الذهاب إلى المتاحف، وفي التلميذات اللواتي حملن شيئا منها إلى حياتهن، وفي الصور التي كان ابنها يعود بها من أسفاره ليجلس بجوارها ويشاركها العالم الذي لم تعد تستطيع أن تراه بنفسها.
ثم جاءت المصادفة.
باحث يبحث عن فنانات منسيات.
اسم في كتاب قديم.
ذاكرة ابن.
أعمال محفوظة في بيت.
رغبة مؤسسة.
وقاعة جديدة تحمل اسم حامد ندا.
هكذا يعود الغائب.
ليس لأن الزمن قرر فجأة أن يكون عادلًا، وإنما لأن أحدا قرر أن يبحث.
ولهذا فإن معرض رعاية حلمي ليس عودة فنانة إلى الحياة. فهي لم تغب عن حياة من أحبوها يوما.
إنه عودة اسمها إلى الذاكرة العامة.
والفرق بين الاثنين هو بالضبط الفرق بين الحياة والتاريخ.
الحياة تعرف من أحبته.
أما التاريخ، فيحتاج دائمًا إلى من يعيد كتابته.
وربما تكون القيمة الأهم لهذا المعرض أنه لا يطلب منا فقط أن ننظر إلى لوحات رعاية حلمي، وإنما أن ننظر من خلالها إلى شيء أكبر: إلى النساء اللواتي صنعن الثقافة ثم اختفين من كتبها، إلى المعلمين الذين شكلوا أجيالًا دون أن تُكتب أسماؤهم، إلى الأسر التي حملت الفن حين عجزت المؤسسات عن حمله، وإلى الأعمال التي بقيت صامتة طويلًا تنتظر عينا جديدة.
إنها، في النهاية، ليست قصة فنانة منسية فقط.
إنها قصة الذاكرة حين تقرر أن تقاوم النسيان.
شبكة عالم جديد الإخبارية عالم جديد..موقع ينقل المعلومة والخبر من كل مكان في العالم وينشر المعرفة والإبداع